شـبكة جنـين للـحوار

حياكم الله وبياكم واهلا وسهلا بكم في شبكتكم شبكة جنين للحوار ..
شـبكة جنـين للـحوار


    تأملات في قصة إبراهيم عليه السلام- سورة مريم

    شاطر

    الاستاذ
    النخبة
    النخبة

    ذكر
    عدد الرسائل : 92
    الأقامة : فلسطين
    تاريخ التسجيل : 29/07/2007

    تأملات في قصة إبراهيم عليه السلام- سورة مريم

    مُساهمة من طرف الاستاذ في الخميس أغسطس 02, 2007 2:12 am

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد..
    فهذه محاولة تأملية في قصص القرآن: قصة خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام-، تهدف إلى جولة سريعة في آفاق القصة القرآنية، تلك الآفاق الرحبة التي حوت مناحٍ شتى في حياة الإنسان وعلومها، واكتنفتها في قالب يعد الإيجاز أبرز ملامحه، ويقوم تصاعد الصراع فيه على أساس القيم والأفكار والأخلاق.
    وقصة إبراهيم -عليه السلام- قصة ذات أحداث ومشاهد متعددة، عرضت مفرقة على السور القرآنية، عمادها {إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً}، أمة في عقيدته ومنهجه، و{لقد كانت لكم أسوة في إبراهيم والذين معه}، وفي كل حدث ومشهد منها تبرز لقطات تستدعيها المناسبة، سواء أكانت المناسبة مناسبة ورودها في سياق السورة القرآنية، أو مناسبة نزولها على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، كما تأتلف هذه الأحداث ائتلافاً لا يسعه تنافرٌ أو اختلاف، ولو تكرر العرض.
    وأولى هذه المحاولات محاولة تأملية في قصة إبراهيم -عليه السلام- مع أبيه في سورة مريم.
    كتبته: قبة الديباج

    :.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:

    ** قصة إبراهيم -عليه السلام- مع أبيه:
    قال تعالى: {وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِبْرَٰهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً * إِذْ قَالَ لاًّبِيهِ يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً * يٰأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىۤ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيّاً * يٰأَبَتِ إِنِّىۤ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيّاً * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِى يٰإِبْرَٰهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً * قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّى عَسَىۤ أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا * فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً } [مريم:41-50].

    :.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:

    ** المناسبة بين القصة والمحور العام للسورة :
    نزلت فيما نزل من القرآن المكي، لغرض تقرير التوحيد، وتثبيت عقيدة الإيمان، وبيان سبيل المهتدين، وسبيل الضالين. وجاءت في ثنايا سورة تعرض نماذج عائلات ربانية، سواء في قصة زكريا ويحي، أو قصة مريم وعيسى- عليهم السلام- ، أو قصة إبراهيم -عليه السلام- وأبيه، بل حتى في عرضها السريع للأنبياء عليهم السلام، نجد هذا الجانب قائماً متمثلاً، لترسم لنا طريقاً من طرق الدعوة، طريق تتجلى فيه أولوية النصيحة لأولوية القرابة، ويبرز فيه كيفية أدائها، لتثمر وتؤتي أكلها بإذن ربها.
    وسورة مريم في حديثها عن الرسل الكرام، تكشف عن محورها الدعوي القائم على الرحم والقربى، حتى إنه ليبدو فيها تكرار ذكر"الولد"، و"الوراثة"، وهما من السمات الجلية في صفحة القرابة، وفيها يسوق الله -جل جلاله- الحق بقوله: {إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون}، لتقرر أن الوارثة الباقية، والعلاقة الوشيجة، هي التي لا يفينها فناء الدنيا، فلها دوام وخلود.
    وترد قصة إبراهيم-عليه السلام- مع أبيه، في حدث يقوم على الحوار، حوار يرقى على درجات من الإقناع والتواصل الوجداني، ولكن:{إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً}، ومع ذلك {إني لا أضيعُ عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى}، لذلك فالنتيجة الحتمية التي يفضي إليها هي الخيرية المطلقة، وإحدى صورها {وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاًّ جعلنا نبيّاً}، صورة يؤطرها أيضاً الرحم والقربى، فبر الآباء، سبباً في بر الأبناء وصلاحهم.
    ويجدر بنا ههنا وقفة تعكس حقيقة الأواصر والعلاقات، هذه الوقفة جسدتها الآيات في نهاية السورة، لتقرر بعمق المحور العام التي دارت حوله، من قوله تعالى: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً} يجمعهم {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً} ، وبالمقابل {ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً}، فنعم الأواصر أواصر الإيمان، ميثاق شديد، وبقاء أكيد.

    الاستاذ
    النخبة
    النخبة

    ذكر
    عدد الرسائل : 92
    الأقامة : فلسطين
    تاريخ التسجيل : 29/07/2007

    رد: تأملات في قصة إبراهيم عليه السلام- سورة مريم

    مُساهمة من طرف الاستاذ في الخميس أغسطس 02, 2007 2:13 am

    ** تفسير الآيات:
    في هذه القصة القائمة على الحوار، تنكشف لنا ملامح من شخصية إبراهيم -عليه السلام-، فيبدو لنا الصبر والحلم والبر، وحكمته في تعامله مع جهالة أبيه، والقصص القرآني قائم على الصراع بين القيم والأفكار والأخلاق، لذلك تغيب فيه الأوصاف الجسمانية، والتفصيلات الجزئية، فليس الهدف منه التأريخ لتلك الحوادث الغابرة، بقدر ما هو رسالة وهدف وعبرة، يبدو فيها واقع المسلمين بمكة بحكم التنزيل، و{هدى وبشرى للمتقين}، بعمومهم إلى قيام الساعة.
    فالله سبحانه يأمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بذكر قصة إبراهيم-عليه السلام-{واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً}، والصدّيق من أبنية المبالغة على وزن (فِعِّيل)، وهذه الصيغة مع كونها للمبالغة تطلق على المولع بالفعل([1])، مثل: سكّير وضحّيك، ونحوه. وإطلاقها هنا على معنيين، الأول: صدقه هو، والثاني: كثرة ما يُصَدِّق به من أخبار الغيوب وآيات الله عز وجل، وكلا المعنيين متلازمان لتعقيب الصدق بالنبوة، لأن ملاك أمر النبوة الصدق الذاتي المتمثل في النبي، والصدق الفعلي المتمثل بتصديقه بآيات الله. ([2])
    وقوله: {إنه كان صدّيقاً نبيّا} جملة تعليلية تعلل الاهتمام بذكر إبراهيم-عليه السلام-، وهذه الجملة معترضة بين البدل والمبدل منه، حيث إنّ (إذ) اسم زمان واقعٌ بدلاً من إبراهيم، والمراد: اذكر إبراهيم زمان قوله لأبيه.
    ثم تحكي الآيات حوار إبراهيم:{إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً}، أي: لا يجلب لك منفعة ولا يدفع عنك ضراً، {يا أبت لا تعبدِ الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً}، أي: لا تطعه فيما يأمر به من الكفر والمعصية، وعصيّا (فَعِيل) بمعنى (فاعل)، أي: عاصياً، {إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن}، قال بعض المفسرون في الآخرة، وقال بعضهم في الدنيا، {فتكون للشيطان وليا}، أي: قريناً له في عذاب الله، فجرت الموالاة مجرى المقارنة.
    {أراغبٌ أنت عن آلهتي يا إبراهيم}، أتارك عبادتها؟ فاسم الفاعل "راغبٌ" إذا تعدى بواسطة "عن"، فهو يرد بمعنى ترك الشيء والزهد فيه، {لئن لم تنته لأرجمنّك واهجرني ملياً} أي: لئن لم تنته عن عيبها وشتمها لأرجمنك، والرجم يراد به السب والشتم على قول بعض المفسرين، ويراد به الرجم بالحجارة على قول الآخرين، {واهجرني مليّا}، جاء تفسيرها على قولين: أحدهما: اهجرني هجراً طويلاً، والثاني: اهجرني سالماً قبل أن تصيبك عقوبتي.
    {سلم عليك سأستغفر لك ربي} أي: سلمت من أن أصيبك بمكروه، فهو لم يأمر بقتاله على كفره، ووعده بالاستغفار، وهو لا يعلم أن ذلك محظور في حق الكافرين، {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه}، {إنه كان بي حفيا} قال المفسرون في معنى (حفيا): اللطف والرحمة والبر، {واعتزلكم وما تدعون من دون الله} أي: أتنحى عنكم وعن أصنامكم ومعبوداتكم من دون الله.
    {وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيّاً} أي: وأعبد ربي، وأرجو أن لا أشقى بعبادته مثلما شقيتم بعبادة الأصنام، التي لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً، {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب} قال المفسرون: هاجر عنهم إلى أرض الشام، فوهب الله له إسحاق ويعقوب، فآنس الله وحشته عن فراق قومه بأولاد كرام، {وكلاًّ جعلنا نبياً} زيادة في ثواب الله لإبراهيم أن اصطفاهم للنبوة، {ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليّا}، أي ذكراً حسناً مرتفعاً، فوضع اللسان موضع الذكر، لكونه آلته التي يكون بها ([3]).

    ----------------------------
    ([1]) ينظر: التحليل اللغوي في ضوء علم الدلالة/ لمحمود عكاشة- ص:87.
    ([2]) ينظر الكشاف- سورة مريم، ص: 732.
    ([3]) زاد المسير لابن الجوزي - سورة مريم، بتصرف.

    __________________

    الاستاذ
    النخبة
    النخبة

    ذكر
    عدد الرسائل : 92
    الأقامة : فلسطين
    تاريخ التسجيل : 29/07/2007

    رد: تأملات في قصة إبراهيم عليه السلام- سورة مريم

    مُساهمة من طرف الاستاذ في الخميس أغسطس 02, 2007 2:14 am

    ** في آفاق القصة:
    اختلاف البشر حقيقة فطرية، وقضاء إلهي أزلي، قال تعالى: {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم}، وآلية التعامل مع هذه الحقيقة هي الحوار، الذي يسير وفق منهج يتم من خلاله كشف مواطن الاتفاق ومثارات الاختلاف، ويفضي إلى توظيف ذلك الاختلاف وترشيده.
    والقرآن الكريم يسوق لنا حوارات عديدة، فيعرض لنا حوارات الرسل مع أقوامهم، وهو إذ يعرضها يشجب أيما شجب على الإعراض عنه، كما قال تعالى:{وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأنْ لم يسمعها كأنّ في أذنيه وقراً فبشره بعذابٍ أليم}، ويرسم لنا المنهج الحواري السليم، ويسوق لنا نماذج منه، ولنا في قصة إبراهيم -عليه السلام- مع أبيه نموذجاً من تلك النماذج.

    براعة الاستهلال:
    تتمثل البداية الحوارية في هذه القصة ببراعة استهلال، وحسن الانتقال على درجات الحوار، فالبراعة تتجلى أولاً في خلق جوٍّ من التكافل الوجداني في قوله: {يا أبتِ}، حيثُ "أورد إبراهيم -عليه السلام- على أبيه الدلائل والنصائح، وصدّر كلا منها بالنداء المتضمن للرفق واللين؛ استمالةً لقلبه" ([1]).
    وذكر ابن عاشور في تفسيره: " قال الجد الوزير -رحمة الله-، فيما أملاه علي ذات ليلة من عام 1318هـ فقال : " علم إبراهيم أنّ في طبع أهل الجهالة تحقيرهم للصـغير كيفما بلغ حاله في الحذق، وبخاصة الآباء مع أبنائهم، فتوجه إلى أبيه بخطابه بوصف الأبوة، إيماء إلى أنه مخلص له النصيحة" ([2])

    الدرجة الأولى: إثارة الشك حول قضية الحوار:
    ومن هذا النداء المفعم بمثيرات العواطف الإنسانية، ينطلق إبراهيمُ -عليه السلام- في حواره، ليصعد به إلى أول درجة تكفل له رضوخ الطرف المقابل، وهذه الدرجة هي إثارة الشك حول القضية التي يقوم عليها الحوار، تقوم إثارة الشك هذه على الاستفهام {لم تعبدُ ما لا يسمع ولا يبصرُ ولا يغني عنك شيئاً}، وفي ذلك من التلطف والأدب مع أبيه، إذ أنّ الإجابة أوضح من أن يؤتى بالاستفهام من أجلها، ويصلح أن ترد هذه الحقيقة في سياق خبري، لا يتأتى لأبيه آزر إنكارها، في نحو: "أنت تعبدُ ما لا يسمع ولا يبصرُ ولا يغني عنك شيئاً"، غير أن مجيء الاستفهام هنا تضمن معنى زائداً وهو الإنكار، ومنه يتم الانتقال إلى درجة الحوار التالية، ولو كان السياق خبرياً فإنه لا يعدو تقرير أمرٍ لا يحتاج إلى تقرير لوضوحه وعلانيته.


    ومضة:
    في قوله: {ما لا يسمعُ ولا يبصرُ} خص السمع والبصر لكونها أبرز الحواس في التواصل والإدراك، وفي تعقيبه {ولا يغني عنك شيئاً}، تأكيد وتقرير للنتيجة المرتبة على نفي السمع والبصر، وفي هذا مراعاة لحال الطرف المقابل، فإن هبوب عاصفة الشك في ذهنه، تشغله عن استنباط النتائج المنطقية التي يفضي إليها الكلام، لذلك يكشفها الطرف الأول ويجليها له.


    الدرجة الثانية: أهمية العلم في الحوار:
    ويتابع إبراهيمُ -عليه السلام- {يا أبتِ إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً}، في أسلوب يكتنفه الترفق والتلطف، يصدرّه بـ {يا أبتِ}، كما أسلفنا، ثم يعقبه بالخبر المؤكد بـ"إنّ"، و "قد"، ليثبت مجيء العلمِ له، وهو في ذلك لا يدعي العلم المفرط، وإنما قال: {من العلم} فمن التبعيضية هنا تشف عن هيأة التواضع وخفض الجانب التي كان عليها إبراهيمُ -عليه السلام- مع أبيه، كما أنّ مجيء الخبر المؤكد بمجيء العلم له، يشف أدباً من آداب الحوار، حيثُ إنه لم ينسب الجهل لأبيه، وإثبات العلم يخلق جوًّا من الطمأنينة في نفس الطرف المقابل، فأصل الدعوة قائمٌ على نور العلم المتمثل بمعرفة الحق، واليقين المتمثل في سلامة الفطرة، وفي ذلك "دفع ما يخالج عقل أبيه من النفور عن تلقي الإرشاد من ابنه" ([3]).
    وفي قوله: {جاءني من العلم} أدب مع الله عز وجل، فلم ينسب العلم إلى نفسه، وإنما اعترف بمجيئه وإتيانه من الله عز وجل، وهذه استجابة من الله لخليله إذْ قال: "{رب هبْ لي حكماً}، والمراد بالحكم العلم والفهم" ([4]).

    فائدة:
    في التعبير بـ{جاءني من العلم} إشارة إلى أنّ العلم نعمة وفضل من الله يؤتيه من يشاء، وقد ذكر ابن حزمٍ: "واعلم أن كثيراً من أهل الحرص على العلم، يجدون القراءة والإكباب على الدروس والطلب، ثم لا يرزقون منه حظّاً، فليعلم ذو العلم أنه لو كان بالإكباب وحده، لكان غيره فوقه، فصح أنه موهبة من الله تعالى، فأي مكان للعجب ههنا، ما هذا إلا موضع تواضع وشكر لله تعالى، واستزادة من نعمه، واستعاذة من سلبها" ([5]).
    والمعصية من أسباب سلب هذه النعمة والحرمان منها، قال ابن القيم: "وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة، ما لا يعلمه إلا الله، فمنها: حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور" ([6]).

    ---------------------------------
    ([1]) فتح القدير للشوكاني- سورة مريم:42.
    ([2]) التحرير والتنوير لابن عاشور- سورة مريم،ص:2602.
    ([3]) المرجع السابق.
    ([4]) فتح القدير- سورة الشعراء:83.
    ([5]) الأخلاق والسير لابن حزم- فصل: "أدواء الأخلاق الفاسدة ومداواتها"، ص:68.
    ([6]) الجواب الكافي لابن القيم الجوزية، ص:34.

    الاستاذ
    النخبة
    النخبة

    ذكر
    عدد الرسائل : 92
    الأقامة : فلسطين
    تاريخ التسجيل : 29/07/2007

    رد: تأملات في قصة إبراهيم عليه السلام- سورة مريم

    مُساهمة من طرف الاستاذ في الخميس أغسطس 02, 2007 2:15 am

    الدرجة الثالثة: التنفير من الباطل:
    يتابعُ إبراهيم- عليه السلام- {يا أبتِ لا تعبدِ الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيّا}، ليخلق شعور التنفير بعد أن أثار زوبعة الشك حول معبود أبيه، حيثُ بين له أن حقيقة عبادته هي عبادة الشيطان، وفي ذلك "إفصاحاً عن فسادها وضلالها، فإننسبة الضلال والفساد إلى الشيطان مقررةٌ في نفوس البشر، ولكنّ الذين يتبعونه لا يفطنون إلى حالهم، ويتبعون وساوسه تحت ستار التمويه" ([1]).
    وفي قوله: {لا تعبدِ الشيطان} كناية، يجوز فيها إيراد المعنيين: الأصلي، وهو عبادة الشيطان، والمكنّى عنه، وهو عبادته للأصنام، وغرضها استثارة النفور والحقيقة المستقرة في النفوس من كون الشيطان أساس الضلال والفساد، كما تقدم.
    وفي قوله: {إنّ الشيطان كان للرحمن عصيّا}، جاءت (كان) لتفيد الدوام والاستمرار، بمعنى: (لم يزل)، قال الزمخشري في الكشاف في قوله تعالى: {كنتم خيرَ أمةٍ أخرجت للناس}: "كان عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على سابق عدم، ولا على انقطاع طارئ..." اهـ ([2]).
    وفي ورود صفة الرحمن في الآية الكريمة، ذكر ابن عاشور في تفسيره: " اختير وصف الرحمن من بين صفات الله تعالى، تنبيهاً على أن عبادة الأصنام توجب غضب الله، فتفضي إلى الحرمان من رحمته".
    وفي إعادة لفظ (الشيطان) ذكر أيضاً: "وإظهار اسم الشيطان في مقام الإضمار، إذ لم يقل : إنه كان للرحمن عصيّا، لإيضاح إسناد الخبر إلى المسند إليه، ولزيادة التنفير من الشيطان، لأن في ذكر صريح اسمه تنبيهاً إلى النفرة منه، ولتكون الجملة موعظة قائمة بنفسها".


    ومضة:
    وبعد النهي {لا تعبدِ الشيطان}، جاء التعليل {إن الشيطان كان للرحمن عصيّا}، وهذا التعليل ساقه على سبيل التوكيد، وليس الخبر هنا على سبيل الإعلام بالشيء، فعصيان الشيطان لربه معلوم، فما الغرض منه؟ وما علة التوكيد فيه؟.
    لعل الغرض منه هو مراعاة نفسية الطرف المقابل، فهو كما يظهر لنا من سياق الآيات ممن أخذته العزة بالإثم، ومثل هؤلاء لا بدّ من كشف أبعاد الإثم لديهم، ففي كشفها تلييناً لقلوبهم، فلفظ (الشيطان) يستدعي الزيغ والضلال، وإثبات عصيانه لربه صورة من صور الضلال، وبعد من أبعاده، بل هو المنطلق في سبيل الضلال، فهو بذلك ينبهه على عدم التمادي في الغي والعصيان، قال أبو السعود: "والاقتصاد على ذكر عصيانه من بين سائر جناياته، لأنه ملاكها، أو لأنه نتيجة معاداته لآدم عليه السلام وذريته، فتذكيره داعٍ لأبيه إلى الاحتراز عن موالاته وطاعته" ([3]).

    ----------------------------------
    ([1]) التحرير والتنوير- سورة مريم:2603.
    ([2]) ينظر معاني النحو، د. فاضل السامرآئي - باب "الأفعال الناقصة (كان وأخواتها)"، ص:194.
    ([3])إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، تفسير أبي السعود- سورة مريم: 43-45.

    الاستاذ
    النخبة
    النخبة

    ذكر
    عدد الرسائل : 92
    الأقامة : فلسطين
    تاريخ التسجيل : 29/07/2007

    رد: تأملات في قصة إبراهيم عليه السلام- سورة مريم

    مُساهمة من طرف الاستاذ في الخميس أغسطس 02, 2007 2:16 am

    الدرجة الرابعة: استحضار العواقب:
    يتابعُ إبراهيمُ -عليه السلام-: {يا أبتِ إني أخافُ أن يمسك عذابٌ من الرحمن}، بعد أن كشف حقيقة عبادة الأصنام، وأنها عبادة للشيطان، وعصيان للرحمن، بين له الباعث على هذه النصائح، وهو الخوف عليه من عذاب الرحمن، يقول ابن عاشور: "وللإشارة إلى أن أصل حلول العذاب بمن يحل به، هو الحرمان من الرحمة في تلك الحالة، عبر عن الجلالة بوصف الرحمن، وللإشارة إلى أن حلول العذاب ممن شأنه أن يرحم، إنما يكون لفظاعة جرمه، إلى حد أن يحرمه من رحمته من شأنه سعة الرحمة".
    وفي قوله: {إني أخاف} يقول أيضاً: "والتعبير بالخوف الدال على الظن دون القطع، تأدب مع الله تعالى، بأن لا يثبت أمراً فيما هو من تصرف الله، وإبقاء للرجاء في نفس أبيه، لينظر في التخلص من ذلك العذاب، بالإقلاع عن عبادة الأوثان".
    وإمعاناً في استحضار العواقب، قال:{فتكون للشيطان وليّاً}، أي: صاحباً وتابعاً وقريناً في العذاب، فالموالاة هنا جرت مجرى المقارنة ([1]).

    ومضة:
    نقل ابن منظور في لسانه عن ابن الأعرابي : الولي: التابع المحب. فلعل ورود هذه اللفظة مع إرادة المقارنة، لفتة إلى كون العاقبة بمحض اختياره وإسرافه في غيه وضلاله، فإن التابع المحب إنما يتبع بمحض اختياره ورغبته، فلا مكره له، وهو يستطيع الترك بمحض اختياره أيضاً.

    صدود وتهديد:
    بعد أن جرت النصائح والمواعظ من إبراهيم بسمع أبيه، {قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم}، يقول أبو السعود:"(قال) استئناف مبني على سؤال نشأ من صدر الكلام، كأنه قيل: فماذا قال أبوه عندما سمع منه -عليه السلام- هذه النصائح الواجبة القبول؟ فقيل: قال مصرّاً على عناده: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم؟" ([2]).
    وجاء ردّه في سياق استفهام إنكاري تعجبي، ينكر على إبراهيم تجافيه وتركه عبادة آلهته، ويتعجب من صنيعه. يقول ابن عاشور: "وإضافة الآلهة إلى ضمير نفسه، إضافة ولاية وانتساب إلى المضاف، لقصد تشريف المضاف إليه"، وفي ذلك من الغرور والتمسك بالكفر، ويقول أيضاً: "والنداء في قوله: (يا إبراهيم) تكملة لجملة الإنكار والتعجب، لأن المتعجب من فعله مع حضوره، يقصد بندائه تنبيهه على سوء فعله، ... فالمتكلم ينزله منزلة الغائب، فيناديه لإرجاع رشده إليه، فينبغي الوقف على قوله: {يا إبراهيم}".
    وجملة {أراغب أنت} جملة اسمية، مركبة من مبتدأ وفاعل سدّ مسد الخبر، وبهذا يكون الفاعل في حكم المسند إليه، والمبتدأ في حكم المسند. "فمن أجل ذلك كان المصير إلى مثل هذا النظم في نظر البلغاء، هو مقتضى كون المقام يتطلب جملة اسمية للدلالة على ثبات المسند إليه، ويتطلب الاهتمام بالوصف دون الاسم، لغرض يوجب الاهتمام به، فيلتجئ البليغ إلى الإتيان بالوصف أولا،ً والإتيان بالاسم ثانياً... والتحقيق أنه في قوة خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، ولهذا نظر الزمخشري في الكشاف إلى هذا المقصد، فقال: " قدم الخبر على المبتدأ في قوله: {أراغب أنت عن آلهتي} لأنه كان أهم عنده " ([3])، فمناط الاستفهام الإنكاري رغبة إبراهيم عن الأصنام.
    وبجهالة وفظاظة يهدد إبراهيمَ-عليه السلام- : {لئن لم تنته لأرجمنك}، جاءت فيه "اللام موطئة للقسم تأكيداً لكونه راجمه إن لم ينته عن كفره بآلهتهم، ... وإسناد أبي إبراهيم ذلك إلى نفسه، يحتمل الحقيقة؛ إما لأنه كان من عادتهم أن الوالد يتحكم في عقوبة ابنه، وإما لأنه كان حاكماً في قومه، ويحتمل المجاز العقلي؛ إذ لعله كان كبيراً في دينهم، فيرجم قومه إبراهيم استناد لحكمه بمروقه عن دينهم" ([4]) ،وقيل في {لأرجمنّك} رجم اللسان، أي: لأشتمنّك وأظهرنّ أمرك([5])، وجاء في لسان العرب، مادة (رجم): "كلام مرَجَّمٌ: عن غير يقين، وفي التنزيل العزيز: {لأَرْجُمَنَّكَ} أَي: لأَهْجُرَنَّكَ، ولأَقولنَّ عنك بالغيب ما تكره، والمَراجمُ الكلِمُ القَبيحة"([6]).
    {واهجرني مليّا}، "(واهجرني) عطف على محذوف يدل عليه التهديد، أي: فاحذرني واتركني، وإلى ذلك ذهب الزمخشري" ([7])، و{مليّا} إما ظرف زمان، أي: زمناً طويلاً، أو حال، أي: سالماً سويّاً، وهذا تفسير ابن عباس([8])، ومجيئه على القول الثاني يرد على أنّ الكلمة يراد بها التمتع، ومنه قولهم: تملّى إخوانه، أي: تمتع بهم، والمقصود: هجراً تتمتع فيه.

    -----------------------------
    ([1]) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير، انظر تفسير الآيات.
    ([2]) تفسير أبي السعود- سورة مريم:46.
    ([3]) التحرير والتنوير- سورة مريم،ص:2604.
    ([4]) المرجع السابق ،ص:2605.
    ([5]) فتح القدير- سورة مريم:46.
    ([6]) لسان العرب/مادة: رجم .
    ([7])روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، أبو الفضل الألوسي- سورة مريم/ج:16،ص:99.
    ([8]) الدر المصون في علم الكتاب المكنون، للسمين الحلبي/ج:10،ص:139.

    __________________

    الاستاذ
    النخبة
    النخبة

    ذكر
    عدد الرسائل : 92
    الأقامة : فلسطين
    تاريخ التسجيل : 29/07/2007

    رد: تأملات في قصة إبراهيم عليه السلام- سورة مريم

    مُساهمة من طرف الاستاذ في الخميس أغسطس 02, 2007 2:17 am

    الدرجة الخامسة: ختم الحوار بهدوء، وعدم الانفعال:
    وهنا درس في الحلم والبر، {قال سلام عليك سأستغفر لك ربي}، فلم يعارض إبراهيم أباه بسوء الرد، {سلام عليك} تحية توديع، وقيل: أمنة لك منّي، لأنه لم يؤمر بقتاله، وقيل معناه : الدعاء له بالسلامة، استمالةً له ورفقاً به، {سأستغفرُ لك ربي}، ثم وعده بأن يطلب له المغفرة من الله سبحانه، تألفاً له، وطمعاً في لينه وذهاب قسوته :

    والشيخ لا يترك أخلاقه ***حتى يوارى في ثرى رمسه([1])

    وهذا الاستغفار إذ لم يكن إبراهيم تلقى النهي عن الاستغفار للمشرك، فقد حكى الله تعالى عنه: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياهفلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه}. ومجيء الاستغفار في صيغة الفعل المضارع، يؤذن بتكرار الاستغفار ولزومه ([2]).
    وقيل في استغفار إبراهيم -عليه السلام- أنه دعاء لأبيه بالهداية، بدلالة قوله تعالى: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين}، لأن الضلال يقرن بالهداية.
    {إنه كان بي حفيّا} تعليل مستأنف، وفيه رجاء قوي لاستجابة دعوته، وقبوله استغفاره لأبيه، وجاء في لسان العرب مادة (حفي): "الحَفِيُّ: هو اللطيف بك، يَبَرُّكَ ويُلْطِفك ويَحْتَفِي بك".

    ومضة:
    في قوله: {إنه كان بي حفيّاً} يتجلى إيمان إبراهيم -عليه السلام- وحقيقة توكله على الله عزوجل، وهذا في نحو قوله تعالى: {كلا إنّ معي ربي سيهدين}.

    فائدة:
    دوماً ما يعرض المفسرون عند تفسير هذه الآية إلى مسألة ابتداء الكافر بالسلام، ويوردون شيئاً من اختلاف الفقهاء فيها، وقد لفتت نظري رسالة واردة من(الإسلام اليوم) في ذات الموضوع، فارتأيتُ عرضها ههنا .
    قال الأوزاعي عن ابتداء الكافر بالسلام: "إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون"، مظهر ليس غريباً على سلفنا في سعة الصدر للخلاف، وفي تعاطيه بما يجعله وجهاً للرحمة، وسبباً للائتلاف! - الشريف حاتم العوني.

    --------------------
    ([1]) انظر فتح القدير- سورة مريم:47.
    ([2]) التحرير والتنوير- سورة مريم،ص:2605.

    الاستاذ
    النخبة
    النخبة

    ذكر
    عدد الرسائل : 92
    الأقامة : فلسطين
    تاريخ التسجيل : 29/07/2007

    رد: تأملات في قصة إبراهيم عليه السلام- سورة مريم

    مُساهمة من طرف الاستاذ في الخميس أغسطس 02, 2007 2:18 am

    إني ذاهب إلى ربي..
    ما وجدَ إبراهيم من أبيه ما كان ينشده، فعزم فراقه وفراق قومه، {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله}، بل وفراق أصنامهم، وهاجر بدينه -عليه السلام- إلى أرض الشام كما روى طائفة من المؤرخين.
    {وأدعو ربي} جاء الدعاء بمعنى العبادة، ملاءمة لما قبله {وما تدعون من دون الله}، لأن العبادة مستلزمة للدعاء، وهذا على سبيل المجاز المرسل، وقيل فيه الدعاء على ظاهره بما ورد في سورة الشعراء: {رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين*واجعل لي لسان صدقٍ في الآخرين}. و في قوله: {ربي} يقول ابن عاشور-بتصرف-: "وعبر عن الله بوصف الربوبية المضاف إلى ضمير نفسه، للإشارة إلى انفراده من بينهم بعبادة الله تعالى، فالإضافة هنا تفيد معنى القصر، مع ما تتضمنه من الاعتزاز بربوبية الله إياه، والتشريف لنفسه بذلك".
    {عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيّاً}"أي: خائباً ضائعَ السعي، وفيه تعريض بشقائهم في عبادة آلهتهم، وفي تصدير الكلام بـ(عسى) إظهار تواضع، وحسن أدب مع الله عز وجل، وتنبيه على أنّ حقيقة الإجابة والإثابة فضلٌ ومنة منه سبحانه"
    ([1]).


    ونهرُ جودك يروي كلّ من يردُ
    {فلمّا اعتزلهم وما يعبدون من دون الله}، "طوي ذكر اعتزاله إياهم بعد أن ذكر عزمه عليه، إيجازاً في الكلام، للعلم بأن مثله لا يعزم أمراً إلا نفذ عزمه"
    ([2])، ولمّا حرف وجود لوجود، يفيد وقوع الجواب لوقوع الشرط، وهو هنا {فلما اعتزلهم...وهبنا له}.
    {وهبنا له إسحاق ويعقوب}، إكراماً ونعمى ، وزيادة {وكلاًّ جعلنا نبيّا}، {وكذلك نجزي المحسنين}، يقول ابن عاشور: "والنكتة في ذكر يعقوب، أنّ إبراهيم رآه حفيداً وسر به، فقد ولد يعقوب قبل موت إبراهيم بخمس عشر سنة، وأن من يعقوب نشأت أمة عظيمة".
    {وجعلنا لهم لسان صدقٍ عليّا}، أي: ذكراً حسناً، وعبر عنه باللسان، على سبيل المجاز المرسل، و"عليّا" فعيل بمعنى فاعل، أي: عالياً، وفي ورودها بصيغة المبالغة"فعيل" دلالة على أنه مستقر فيه طبيعةً
    ([3]).


    ومضة:
    ذكر ابن عاشور: "وليس مجازاة الله إبراهيم مقصورة على أن وهبه إسحاق ويعقوب، إذ ليس في الكلام ما يقتضي الانحصار، فإنه قد وهبه إسماعيل أيضاً، وظهرت موهبته إياه قبل ظهور موهبة إسحق، وكل ذلك بعد أن اعتزل قومه.
    وإنما اقتصر على ذكر إسحاق ويعقوب دون ذكر إسماعيل، فلم يقل : وهبنا له إسماعيل وإسحاق ويعقوب، لأن إبراهيم لما اعتزل قومه، خرج بزوجه سارة قريبته، فهي قد اعتزلت قومها أيضاً، إرضاءً لربها ولزوجها، ذكر الله الموهبة الشاملة لإبراهيم ولزوجه".
    ويقول أيضاً: "وقد رتب جزاء الله إبراهيم على نبذه أهل الشرك رتيباً بديعاً،إذ جوزي بنعمة الدنيا،وهي العقب الشريف، ونعمة الآخرة وهي الرحمة،وبأثر تيك النعمتين وهو لسان الصدق،إذ لا يذكر به إلا من حصل النعمتين".

    -------------------------
    ([1]) تفسير أبي السعود- سورة مريم:48، ج:5،ص:269 / بتصرف.
    ([2]) التحرير والتنوير- سورة مريم،ص:2606.
    ([3]) التحليل اللغوي في ضوء علم الدلالة، ص:87.


    :.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:.:

    انتهى..
    تم إعداد هذه المذكرة قديماً، وثمة مواضع متفرقة لم تضبط بإحالة، وهي ليست بالكثيرة، وهي من كلام ابن عاشور، فمرجعها (التحرير والتنوير)- سورة مريم، أو كلام أبي السعود، ومرجعها تفسيره(إرشاد العقل السليم)- سورة مريم.

    أعدته: قبة الديباج

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد يونيو 25, 2017 3:11 am