شـبكة جنـين للـحوار

حياكم الله وبياكم واهلا وسهلا بكم في شبكتكم شبكة جنين للحوار ..
شـبكة جنـين للـحوار


    اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللج

    شاطر

    مـحمد أبو عـرة
    1
    1

    ذكر
    عدد الرسائل : 1256
    العمر : 30
    الأقامة : في المنفى...
    العمل : Technological techniques
    تاريخ التسجيل : 27/04/2007

    اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللج

    مُساهمة من طرف مـحمد أبو عـرة في الأربعاء يوليو 18, 2007 5:56 pm

    لن ننسى
    (1)
    اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللجوء
    خاص
    وُلد في ترشيحا قضاء الخليل بفلسطين عام 1933م، تفتحت طفولته على الاحتلال البريطاني وعاش الحرب الصهيونية على الشعب الفلسطيني وما رافقها من دمار وخراب وقتل وضحايا ومجازر دموية فاقت كل أنواع البشاعة.. عانى وجميع أفراد شعبه الكثير نتيجة طردهم من بلادهم وأرضهم، خلعوا من جذورهم بالقوة وما زالوا يعانون آلام ومآسي ونتائج تلك النكبة، حتى بعد مضي خمس خمسون عاماً عليها.

    إنه السيد أبو العبد محمود حسين الذي يقيم حاليا في مخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين في حلب بسورية .

    عن أحداث حرب 1948م التي شنتها العصابات الصهيونية على الشعب الفلسطيني بمساعدة وحماية قوات الانتداب البريطاني، وعن المعارك التي خاضها الفلسطينيون والعرب ضد تلك القوات الغازية.... الطرد القسري من الوطن ومعاناة اللجوء ..حدثنا السيد أبو العبد:

    «أعلنت حرب 48 وأعلن الانتداب البريطاني انسحابه من الأراضي الفلسطينية لكن ما جرى هذا الانسحاب تسليم الأرض الفلسطينية والأسلحة والمواقع لليهود … كل المساعدات قدمت لليهود كي ينتصروا في هذه المعركة، وفي الطرف المقابل مورست على الشعب الفلسطيني كل الضغوط وكل أساليب المخابرات والقهر والظلم من قبل بريطانيا والانتداب البريطاني ومن قبل القوى الصهيونية التي كانت موجودة في ذلك الوقت، وبالتالي كان هناك طرف قوي وآخر ضعيف.

    وانعكس الضعف العربي في ذلك الوقت على قضيتنا وما يزال هذا الضعف مستمر بشكل أكبر مما كان في عام 48.
    أعلنت الحرب وبدأنا نخوضها، ربما تستغربون من السلاح الذي كان لدينا، لأننا فلاحين كان الشخص منا يبيع أبقاره ليشتري بندقية، أو يبيع قمحه _لقمة أولاده_ كي يشتري بندقية، ورغم صعوبة الحصول على بندقية شكلنا كتيبة من 100 شاب من بلدتنا وكانت كتيبة بلدتنا تخضع في ذلك الوقت بشكل تقريبي لقيادة جيش الإنقاذ الذي دخل فلسطين .

    كان عدد سكان بلدتنا آنذاك يتراوح ما بين 4-5 آلاف إنسان، وكان شبابنا يشكلون خط أمامي عربي للدفاع وصد الزحف الصهيوني المحتل، بعد سقوط حيفا ويافا وعكا ..

    أذكر أنه انضمت إلينا فيما بعد كتيبتين أردنيتين، واحدة تابعة للجيش النظامي الأردني وكان قائد الجيوش العربية في الأردن هو الملك عبد الله، أما الثانية فعبارة عن عشيرة أردنية تحت قيادة شيخها " علوش " الذي أحضر عشيرته كاملة للقتال في فلسطين.

    لما علم الملك الأردني أن «صبحي الخضرة » من صفد ذهب إلى دمشق لشراء أسلحة للمقاتلين العرب في فلسطين، أمر الملك عبد الله الكتيبة الأردنية التابعة للجيش الأردني بتسليم صفد لليهود والذهاب إلى دمشق، وهذا ما حصل فعلاً كما روي لنا.

    ونتيجة لذلك أصبحنا محاصرين من الغرب والشرق باليهود، ورغم ذلك قاتلنا وصمدنا، وصمد معنا جيش الإنقاذ الذي كان تحت قيادة القائد العراقي المهدي،

    معركة القلعة
    خضنا عدة معارك على بعد 2كم غرباً من بلدتنا، من بينها الهجمات المتتالية على مستعمرة جدين التي بنيت عام 1947 وكانت عبارة عن قلعة قديمة احتلها اليهود بحماية القوات البريطانية، وبعد ثلاث هجمات غير موفقة لاستعادة القلعة من اليهود، وقعت المعركة الحاسمة، فاقتحمنا القلعة ورفع اليهود داخلها العلم الأبيض، إلا أن أمراً مفاجئاً بالانسحاب أوعز للجيش العربي فلم نستطع المتابعة وحدنا بأسلحتنا البسيطة، فاليهود كانوا مسلحين وعلى استعداد تام لتنفيذ مشروعهم، فكانوا يملكون الرشاشات والبنادق الحديثة والطائرات والمجنزرات، أما نحن لم يكن لدينا سوى البندقيات القديمة..في المحصلة خسرنا 8 شهداء في تلك المعركة.

    بعد هذه المعركة خضنا عدة معارك أخرى، فقد كنا نشكل خط الدفاع الأمامي وكان وراءنا لواء الجليل كله ببلداته وقراه التي تصل إلى 70 قرية تقريباً، ينتظر صمودنا، لأن هزيمتنا تعني هزيمة كل ما وراءنا، لذا كنا آخر مجموعة خرجنا من فلسطين.

    المعركة الأخيرة
    في آخر معركة لغمنا الشارع الواصل بين ترشيحا وعكا، كي نمنع المجنزرات والمصفحات اليهودية من اختراقه، وكانت معركة الحسم. بدأ الهجوم علينا وفشل وبعد فشلهم نصب اليهود كميناً للباصات الخاصة بنا وقتلوا حوالي 12 شخصاً، كانت الطرق كلها مقطوعة، وحوصرنا من ا لشرق والغرب باليهود، واحتل صفد وخرج أهلها منها، واستخدم اليهود الطائرات للإغارة علينا، وبدأت غاراتهم مع عصر ذلك اليوم، وكنا نحرس الحدود الأمامية للقرية المواجهة للمستعرة جدين، حاولنا صد الطائرات بالأسلحة لكن دون جدوى، وأسقطت الطائرات قنبلتين على منطقة «الدير القاسي» من ثم انسحبت، ليبدأ اليهود هجومهم البري، ومجرد وصول مصفحاتهم إلى الشارع الذي لغمناه، بدأت تنفجر الواحدة تلو الأخرى، وأغلق الشارع، فتحول هجومهم إلى المشاة، وكان عدد مشاتهم المهاجمين حوالي خمسة آلاف جنديا، ومضى الليل بطوله ونحن نقاتل ونصد اليهود، فقتلنا منهم الكثير وكسبنا أسلحة كثيرة منهم، ولم يتحرك جندي واحد منا إلى الخلف خطوة واحدة، كنا صامدين ومحافظين على مواقعنا، أما أهل قريتنا فكانوا ما يزالون في بيوتهم بأمان،.

    ومع صباح اليوم التالي كان السلاح الموجود في القرية قد انتقل كله إلينا إلى المعركة، وخلت القوية تماما من كل أنواع الأسلحة حتى من مسدس صغير. بعد ذلك عادت الطائرات اليهودية مرة أخرى لتقصف القرية وتحصد كل من فيها من البشر، واستمرت غارة الطائرات حوالي ربع الساعة، وبمجرد انتهائها وانسحاب الطائرات، ذهبت مسرعاً وتسلقت تلاً مرتفعاً يدعى المجاهد على سفح جبل يشرف على قريتنا، فبدت لي القرية كصحن صغير في أسفل انحدار، فرأيت الناس كيوم الحشر، كل يركض في اتجاه، وأصوات صراخ النسوة تعلو ويعلو فوقها لهيب النيران التي أضرمت في معظم أحياء القرية، كان منظراً شديد الوقع على النفس الإنسانية.. نزلت إلى القرية وتفقدت أهلي فوجدتهم بخير، لكني علمت أن عشرات العائلات كانت قد حاولت الاحتماء من الغارة بالوقوف تحت البناية الأكثر ارتفاعاً في قريتنا، وتقع وسط القرية وتتكون من أربع طوابق، ولما قصفت الطائرات هذه البناية سقطت على من كانوا تحتها، ونتيجة ذلك محيت عائلات كثيرة بأكملها ولم يبق منها أحد على الإطلاق، وأسرعنا إلى مكان البناية وحاولنا انتشال الجثث والمصابين، وأخرجنا آنذاك 20 جثة.

    مـحمد أبو عـرة
    1
    1

    ذكر
    عدد الرسائل : 1256
    العمر : 30
    الأقامة : في المنفى...
    العمل : Technological techniques
    تاريخ التسجيل : 27/04/2007

    رد: اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللج

    مُساهمة من طرف مـحمد أبو عـرة في الأربعاء يوليو 18, 2007 5:57 pm


    وخوفاً من عودة الطائرات اليهودية مرة أخرى، خرج أهل قريتنا إلى غابات وأشجار الزيتون والتين المحيطة بقريتنا..وبالفعل عادت الطائرات ظهر ذلك اليوم وقصفت القرية، وانسحبت ثم عادت مرة ثانية وثالثة..وكانت الطائرات تلقي براميل ملغمة على القرية..وهكذا دمروا البقية الباقية من قريتنا.

    رغم كل هذه الخسائر ظللنا نشكل العمود الفقري الذي كان يُعتمد عليه، كنا صامدين وكان عدد شهدائنا قليل، بينما كان عدد قتلى اليهود كبيراً، واستمر هذا الوضع يومين، بعدها فوجئنا بجيش الإنقاذ العربي وعند الساعة العاشرة ليلاً يعلن ويقول لنا بالحرف الواحد: «اليهود ورانا ..دبروا حالكم» وانسحب الجيش وبقينا وحدنا..

    كنا نعتمد على الجيش في مدنا بالذخيرة، صحيح أنه كان لدينا بنادق قديمة إلا أننا لم نكن نملك الرصاص ، لذا قررنا الانسحاب والخروج من البلد لا سيما أن أهل قريتنا خرجوا منها، وبعد أن سمعنا مذابح اليهود في القرى المجاورة لنا التي سقطت قبلنا، فقلنا في نفسنا أن اليهود لن يتركوا شخصاً واحداً على قيد الحياة كما فعلوا في بقية القرى التي احتلوها.

    الخروج القسري من البلاد
    عندما سمع أهالي لواء الجليل أن الخط الأمامي _نحن_ كسر وانسحب الجيش العربي غادروا أراضيهم، فأثناء خروجنا من فلسطين، مررنا بعدة قرى ووجدناها فارغة تماما، مثل سحماتا، الدير القاسي، الرميش، ..حوالي 60 قرية كلها هجرت تماما..
    وصلنا إلى لبنان، وفي بنت جبيل _منطقة لبنانية_ حملونا في سيارات كانوا يحملون فيها الأبقار، ووصلنا إلى صور، وهناك وجدنا القطار ينتظرنا إضافة إلى عربات الأبقار_الفراهين_ الموصولة في القطار، وضعونا في هذه الفراهين وسار بنا القطار من صور إلى حلب،... لم نكن نعي شيئاً، وأصبح أمرنا بيد غيرنا، فأفراد من سلطات الدولة كانوا على متن القطار، وكانت السلطات العربية هي المشرفة على نقلنا..

    وفي الطريق من صور إلى حلب بدأت العربات تنفصل عن بعضها على التوالي، وفقدنا أقربائنا دون أن نعلم ، وتفرقنا، فكلما وصلنا مدينة أو منطقة ما في سورية كانت تنفصل عنا عدة عربات، وهكذا إلى أن وصلنا حلب.لم نكن معتادين على القطار، فنحن فلاحين، لذا ظللنا ثلاثة أيام ونحن على متن القطار نرى الأرض تمشي بنا ونحن في أماكننا..

    كان خروجنا من فلسطين غلط كبير جدا، ما نزال ندفع ثمنه حتى اليوم، ومنذ ذلك اليوم الذي خرجنا فيه من فلسطين وحتى اللحظة ونحن نفتقد الهوية ولا نملكها.. والحمد لله أن أهلنا في الداخل أخذوا درساً من خروجنا، وتمسكوا بأرضهم وما يزالوا.

    طبعاً عانينا كثيراً من ظروف الحياة الاجتماعية في المخيمات، وعشنا حياة «أربطي القرد فيها بنهزم» بمعنى لا يستطيع الإنسان عيشها.

    مرحلة الكفاح المسلح وتنظيم الصفوف
    بعد فترة بدأنا نصحو من الصدمة، وقررنا تأمين لقمة العيش لأطفالنا والتمسك بأرضنا وقضيتنا وحقنا في العودة إلى بلادنا، وبدأنا ننظم أمورنا، لينطلق العمل الفدائي في الخمسينات ضد العدو الصهيوني.

    كانت معركة الكرامة التي خاضها الفلسطينيون وانتصروا فيها على العدو الصهيوني نقطة تحول كبيرة في تاريخ الأمة العربية، لا سيما بعد هزيمة الأنظمة العربية الساحقة عام 1967، ونتيجة انتصار تلك المجموعة الفلسطينية في الكرامة انتقل الولاء الشعبي العربي من الأنظمة إلى الولاء للمقاومة الفلسطينية. لكن قادتنا العرب المجرمين لم يستطيعوا استغلال النصر الفلسطيني في الكرامة، وتنظيمه لصالح مشروع التحرير.

    مرت المراحل بنا والسنوات فذبحنا في الأردن في السبعين، كان عدد الفدائيين الفلسطينيين الذين ذبحوا في الأردن في أحراش جرش وعجلون حوالي 15 ألف فدائي خلال 15 يوماً، وهو ما لم يستطع العدو الصهيوني فعله وتحقيقه. لكننا لا ننكر أننا أخطأنا في تلك المرحلة..كان خطؤنا كبير وقاتل.. وفي عام 83 ذبحنا ثانية في لبنان ونقلنا على متن سفن فرنسية، وبدأنا نرجع للوارء ..

    أما ما يجري اليوم من أحداث خاصة ما جرى في العراق لا يجعلنا نتفاءل بالخير حالياً، لكن إذا نظرنا إلى حركة التاريخ وإلى تاريخ الأحداث وتسلسلها، سنجد أن المستقبل لصالحنا بإذن الله تعالى. إني بريء من هذا الجيل ومما تفعله الأنظمة العربية، حتى الشارع العربي مقصر في واجبه ودوره تجاه القضية، وهو لا يبعد كثيراً عن أنظمته..فبعد أن هب في بداية الانتفاضة الفلسطينية، نراه اليوم يهمد وينام في سبات قد يول وقد يقصر.

    وكالة الغوث
    لدى سؤالنا عما قدمته وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين في سورية أول وصولهم، قال العم أبو العبد غاضباً: « لا أريد وكالة الغوث هذه، من هي وكالة الغوث؟؟، إنها كلها جواسيس... الشعب هنا هو الذي ساعدنا....» ويبكي بحرقة عدة دقائق دون أن يقدر على الحديث.

    العودة إلى الوطن
    عن حقه في العودة بعد مضي 55 عاماً على خروجه من فلسطين يقول أبو العبد:
    « أولاً أنا كمواطن أريد حقي التاريخي أريده، وإن هؤلاء الذين أتوا من الخزر ومن ألمانيا ومن أصقاع الأرض ..عليهم الرجوع والعودة من حيث جاءوا، هذا الوطن لي هذا الوطن لي،

    ثانياًُ هذه الأرض عربية ولا بد للأمة العربية أن تصحو من سباتها ومن تخاذلها، ولا بد لشعوب هذه المنطقة العربية أن تشعر بالخطر وبالتالي لا بد لها أن تهزم الصهاينة كما هزمت الصليبيين والتتار ونابليون.
    المسلمون عندما كانوا موحدين الفكر والفعل أسقطوا أكبر إمبراطوريتين في العالم في ذلك الوقت، فالفتح الإسلامي هو استعادة حقوق كانت مغتصبة.

    شعبنا العربي أينما ذهب هو شعب معطاء لكن ينقصه الوعي والإرادة..وهويتهم مستهدفة دوماً.
    المستقبل بإذن الله يعتمد على جماهير هذه الأمة التي لها تاريخها وتراثها وجذورها، لسنا أمة عابرة بين الأمم، فأمتنا العربية هي أكثر الأمم عطاء للإنسانية.

    مـحمد أبو عـرة
    1
    1

    ذكر
    عدد الرسائل : 1256
    العمر : 30
    الأقامة : في المنفى...
    العمل : Technological techniques
    تاريخ التسجيل : 27/04/2007

    رد: اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللج

    مُساهمة من طرف مـحمد أبو عـرة في الأربعاء يوليو 18, 2007 5:58 pm

    لن ننسى
    (2)
    اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللجوء



    « خرجنا من فلسطين بسبب الخيانة العربية ».. بهذه العبارة بدأ الحاج رشيد شكري شريح _ مواليد ترشيحا قضاء عكا 1904_ حديثه الممزوج بالشجون والفخر والأسى عن أيام البلاد.. عن فلسطين، ومعارك أبنائها ضد الاحتلال البريطاني والغزو الصهيوني. يسترسل الحاج رشيد: «كنا منتصرين، وكانت لدينا القوة الكافية لإخراج اليهود والإنجليز في آن واحد من بلادنا، وكان الإنجليز دائمي الانسحاب من المعارك، خلال الأيام الأولى من كل معركة بسبب صمودنا، أما نحن فكنا نغني ونرقص نصراً على أعدائنا وكان أهالي البلدات التي تشهد معارك ضد اليهود والإنجليز يغنون طرباً وانتصاراً وكأن لديهم عيد يحتفلون به.

    كان عام 1939 حافلاً بالانتصارات وكانت الدولة العربية الوحيدة التي تساعدنا آنذاك هي سورية، حيث قدمت لنا الرجال والأسلحة والذخيرة..وكان الضباط والقادة السوريون يشتركون معنا في المعارك ونتيجة ذلك كله وبفعل تلك الانتصارات المتعاقبة بدأ اليهود يرحلون عن فلسطين أفواجاً أفواجاً، وكان كل فوج يخرج فيه 50 ألف يهودي، ..كنا منتصرين..



    الخيانة العربية .. والدور البريطاني

    بعد اجتماع طلب ملوك الدول العربية مع بريطانيا وصدور الكتاب الأبيض، أكد لنا الزعماء العرب أن بريطانيا أصدرت ذلك الكتاب الذي ستسلم لنا بموجبه فلسطين بعد انتهاء الحرب، شرط تسليمنا أسلحتنا وذخيرتنا، للأسف خدعنا وسلمنا أسلحتنا للبريطانيين بعد أن كنا منتصرين عليهم وكان أملنا كبيراً أن لا نبقي أي يهودي أو حتى إنجليزي في فلسطين.وبعد انتهاء الحرب دخل إلى فلسطين 50 ألف يهودي برفقة الجيش البريطاني وتحت حمايته، معززين بالمصفحات والمجنزرات، وصارت بريطانيا تسلم معسكراتها في فلسطين إلى اليهود بكل معداتها العسكرية، لذا لم نشعر إلا ونحن عزل أمام مسلحين، فصرنا نبيع أراضينا لنشتري قطعة سلاح ونقاوم بها اليهود، والحمد لله قاومنا قدر استطاعتنا..



    تفاصيل المعارك ودور جيش الإنقاذ

    كان عدد سكان بلدتنا ترشيحا آنذاك خمسة آلاف نسمة، وفي ترشيحا وقعت ثلاث معارك، وكنا منتصرين فيها،وكان لدينا كتيبة من 300 قطعة سلاح ورشاشين اثنين.. وقاومنا:

    * المعركة الأولى:

    في أولى معاركنا ضد اليهود استمر القتال 8 ساعات ونتيجتها استشهد منا شخص واحد، بينما قتل من اليهود 95 يهودياً..

    من ثم وصلنا القائد فوزي القاوقجي قائد الجيوش العربية وخطب فينا خطابه التاريخي، ووعدنا أن رقبة ترشيحا لن تطير، ومدنا بـ 550 جنديا مسلحاً وبأربع مدافع _اثنين للطائرات واثنين للجبليات_ فامتلكنا قوة معنوية ومادية كبيرة جدا..

    * المعركة الثانية:

    استمرت المعركة الثانية بيننا وبين اليهود 65 ساعة ونصف، ساعدنا فيها جيش الإنقاذ، واعترفت هيئة الأمم بقتل 550 قتيل من اليهود، فيما استشهد شخص واحد يمني من جيش الإنقاذ الذي كان موجوداُ في ترشيحا، حيث كان هناك 15 عربياً يمنياً ضمن صفوف جيش الإنقاذ المتواجد في ترشيحا.

    * المعركة الثالثة:

    بعد مدة هاجمونا بـ22 ألف يهودي، وعلى الفور ومع بدء الهجوم انسحب جيش الإنقاذ من ترشيحا.. كنت أحمل منظاراً استلمته من القيادة، وبعد انتصارنا عليهم بأرض الجفية، رأيت طائرتين تتقدمان نحو البلدة، ظننا أنهما سوريتان ولكنهما كانتا إنجليزيتان، فور وصولهما البلدة أسقطوا عليها 12 قنبلة، على ثلاث دفعات متتالية، وأنا أنظر إليهم في المنظار..فدمرت البلدة كلها بعضها البعض. وسقط 450 شهيداً من بلدتنا تحت الحطام والركام عند انتهاء الغارة، ونتيجة ذلك إضافة إلى انسحاب جيش الإنقاذ وعدم امتلاكنا سلاح أو ذخيرة أجبرنا على الانسحاب والخروج القسري ترشيحا رغما عنا. فلم يعد بإمكاننا البقاء. خرجنا حفاة عراة لا نملك أي شيء، خرجنا بثيابنا التي نرتديها فقط، ولم نأخذ معنا أية أوراق ثبوتية أو شخصية، حتى أن زوجتي تركت حليها الذهبية "صاغتها" في خزانة المنزل.

    وعن حياته الشخصية قال الحاج رشيد أنه تزوج بفتاة فلسطينية مدة 13 عاماً ولم يرزقا بأطفال، فتزوج بعدها بأخرى وأنجب طفلة كان عمرها عام واحد عندما غادروا فلسطين عام 1948م.



    حياة الفلسطينيين في المخيم

    «حياتنا أمر من الصبر»، عشنا فوق بعضنا البعض في المخيم عند وصولنا إلى حلب، في ازدحام شديد، حيث كنا 16 عائلة في براكس واحد (barracks)، وتحملنا ذلك كله بهدف إنشاء أطفالنا على محبة فلسطين والتمسك فيها والنضال من أجلها، فمان الجيل الذي أنشأناه أكثر منا حباً لفلسطين، وأكثر وطنية، ذهب إلى فلسطين وقاوم منذ عام 1965 وحتى التسعين، من ثم وقعت الأحداث الأخيرة ولم نعد قادرين على الكلام.

    كان المخيم يد واحدة، يختلف عن الجيل الموجود اليوم، فاليوم توفي معظم كبار السن الذين عاشوا في فلسطين، وقلائل الذين يعونها أو عاشوا فيها..

    آه.. عندما يأتي ذكر فلسطين ونتذكرها ، تحترق قلوبنا..ولكن ليس باليد حيلة.



    العودة إلى الوطن

    لدى سؤالنا الحاج رشيد عن رغبته في العودة في حال أتيحت، قال: يا ليت هناك مجال للعودة إلى فلسطين، الناس التي ولدت في المخيم تتوق شوقاً إلى العودة وتموت في سبيلها، فما بالك بنا نحن الذين ولدنا فيها وعشنا شبابنا فيها بكرامتنا وعزتنا وفي بيوتنا وعلى أرضنا.. ولكن هذا الأمر محسوم من عند الله عز وجل، ولا نملك إلا أن نتمنى أن يكون ذلك في الوقت الذي نعيش فيه وليس في الجيل الذي يلينا والذي لن نعيشه، أملنا في الله تعالى أن توجد روح وطنية عربية تحرر فلسطين. كل شيء مكتوب في القرآن الكريم وموجود، فالله سبحانه يقول: « وقضينا لبني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ثم لتعلون علوا كبيرا... » إلى قوله «فإذا جاء وعد الآخرين يدخل القدس كما دخلناها أول مرة ويكبروا تكبيرا.» فهذا الأمر محسوم من الله عز وجل، ولكننا نتأمل رؤيتها قبل موتنا.

    أما بالنسبة للعرب وما آلوا إليه فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها..» واليوم أموال العرب وثرواتهم تأكلها الدول الأجنبية، يأخذون البترول من العرب ويعطوه لليهود كي يقضوا على الأمة العربية... هناك أمور كثيرة لكنا لا نستطيع الكلام أكثر من ذلك..

    لما نسمع أن اليهود هدموا بيت فلان أو قطعوا أشجار فلان من الفلسطينيين، والله أشعر أن سكاكين تقطع قلبي، لا يستطيع السكوت عن ذلك إلا الحمار الذي لا يفهم، عندما نرى ونسمع ... .. خليها لله..(تدمع عيناه..يصمت قليلا ثم يتابع): متعب..أنا متعب ولا أستطيع الحديث أكثر من ذلك...

    يذكر أن الحاج رشيد عمل وما يزال مختاراً لمخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين الذي يسكنه منذ خروجه من فلسطين عام 1948م، ويعد رشيد الأكبر سنا بين سكان المخيم، إذ يبلغ عمره 99عاماً.


    مـحمد أبو عـرة
    1
    1

    ذكر
    عدد الرسائل : 1256
    العمر : 30
    الأقامة : في المنفى...
    العمل : Technological techniques
    تاريخ التسجيل : 27/04/2007

    رد: اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللج

    مُساهمة من طرف مـحمد أبو عـرة في الأربعاء يوليو 18, 2007 5:58 pm

    لن ننسى
    (3)
    اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 و آلام اللجوء


    تقول الحاجة كاملة مفلح - من قرية عين غزال مواليد 1913م ، تسكن حالياً مخيم عين التل (حندرات) للاجئين الفلسطينيين في حلب :
    كان والدي قاضياً ، لم يرزق بأطفالٍ إناث غيري ، و كان لديه أربعة أولاد كنت أوسطهم ، و كان ثرياً .. أما أمي فكانت وصفة في الجمال لا يوجد مثلها في كلّ فلسطين ، أما أنا فكنت أشبه والدي ، فمي صغير و عيني طفح و أنفي كبير ..
    تبتسم و تضحك ثم تتابع :
    سمّيت قريتنا عين غزال لاحتوائها على عين جارية تتدفق إليها المياه من جبل شرقي القرية ، و تتخذ العين شكل بركة واسعة محاطة بأحجار نقشت عليها رسومات جميلة ، و يتجاوز عمقها 1.5 متراً ، كان شباب قريتنا ينزلون فيها و يغسلوها من حين إلى آخر ، و كانت تردِها الغزلان لتشرب منها ، و تحيط بها أشجار الزيتون المتشبثة بتراب أرضها الأصفر .

    الحج الأول من أرض فلسطين :
    كانت الحجة الأولى الذي أقوم بها و زوجي عام 1947 ، ركبنا الحمير و البغال متوجّهين من قريتنا عين غزال إلى الميناء ، و خرج لوداعنا معظم أهالي القرية ، و بقينا مدة شهرين في البحر إلى أن وصلنا السويس ، و هناك ركبنا الباخرة التي أوصلتنا إلى جدة بعد ثلاثة أيام و لياليها ، و من جدة حملتنا السيارات إلى مكة المكرمة . و بعد إنهائنا لشعائر الحج عدنا إلى قريتنا من جديد .

    الهجمات اليهودية على قريتنا
    الهجوم الأول : في الهجوم الأول لليهود على قريتنا استشهدت امرأة فلسطينية واحدة من أهالي القرية و تراجع اليهود .
    و في الهجوم الثاني : خطف اليهود مختار قريتنا خالد العبد الله و أخذوه من داره إلى وادي ماضي و قتلوه هناك .
    الهجوم الثالث : أغلق شباب عين غزال الطريق الوحيد المؤدّي إلى قريتنا و المار من بين الجبلين المحيطين بها ، كي يمنعوا اليهود من النفاذ إلى القرية و طوّقوا القرية بحراسة محكمة ، في هذه الأثناء كان اليهود خارج قريتنا ، فأتوا لنا بطائرتين قصفتا القرية ، لا سيما الحاصل الواقع في منتصفها ، و الذي كان يرابط فيه 14 شاباً من شبابنا ، و كان الحاصل موجود أمام منزلنا الذي يتوسّط البلدة ، و رأيت الطائرة أمام عيني تقصف الشباب و «تنفضهم نفضاً» ثم ابتعدت الطائرة ، أما أنا فصرخت «يا نبي محمد .. يا الله ..» و انبطحت على بطني من شدة الضرب ، و كان ابني حمزة على يدي فوضعته على عتبة دارنا و اتجهت إلى الحاصل ، و بدأت أطفئ أجسادهم المشتعلة بالنيران ، و قلت لهم : «أنتم أخوتي بعهد الله و من يخونكم يخون الله ..» و لكن لم يردّ عليّ أحد إذ كانوا كلهم أمواتاً ، ففتشت ملابسهم علّي أجد فيها نقوداً أحملها لأسرهم و أطفالهم ، و لكني لم أجد شيئاً .

    الخروج من القرية :
    في هذا الوقت كانت قرى الوادي الغربي كلها قد سقطت بيد اليهود ، و لم يبقَ سوى قريتنا ، فطلب منا اليهود تسليم أنفسنا و قريتنا و الخروج منها مقابل سلامة أرواحنا ، فلم نقبل التسليم .
    خرجت النسوة و الأطفال من القرية و جلسوا تحت أشجار الزيتون و بقيَ فيها الرجال و الشباب للدفاع عنها مرتكزين إلى قطعهم الطريق الوحيد المؤدّي إلى القرية ، و لكنهم فوجئوا بطائرتين تحومان فوق القرية و بدأت في قصفنا ، و لم يستطع الرجال مقاومة الطائرات بآلاتهم الخفيفة القديمة ، فخرجوا إلى الزيتون المحيط بالقرية ، و استمرت الطائرات تقصف القرية حتى ردمتها تماماً ، و لم تُبقِ على شيء فيها .
    من أشجار الزيتون ذهبنا إلى عارة و عرعرة حيث بدأنا المسير بعد المغرب و وصلنا صباح اليوم التالي ، و هناك مكثنا قرابة الشهر ، و رغم فقر أهل عارة و عرعرة إلا أنهم تقلّونا و احتضنونا ، و أسكنوا كلّ عائلة منا عند عائلة منهم ، و منها انطلقنا إلى سورية ..

    اللجوء في سورية :
    في سورية حملتنا سيارات شحن إلى «قشة الترك» التي يرابط فيها مجموعة من العساكر ، و بعد ثلاثة أيام من مكوثنا فيها ، قسمونا على القرى المجاورة ، و كان نصيبنا قرية عزاز ، و في عزاز زارنا القائد الشيشكلي و تعرّف على زوجي الحاج خالد .. و عشنا في عزاز قرابة 6 سنوات ، و سجّلت أطفالي في مدارسها و تفوّقوا على كافة طلابها و طالباتها و الحمد لله . إذ حازت ابنتي آمنة على المرتبة الأولى بين الفتيات ، و نال ابني حمزة المرتبة الأولى بين زملائه الطلاب .
    بعد عزاز انتقلنا إلى حلب في قرم الجبل و سكنّا منزلاً بالأجرة تابع لعائلة "فحلو" السورية ، و كنا كلّ 6 عائلات نسكن منزلاً كبيراً ، لقد احتضننا الشعب السوري و لم يقصّروا معنا أبداً ، حتى أن بعض العائلات استضافت عائلات فلسطينية منا ، بعدها وزّعت الدولة علينا الأراضي في هذا الجبل (جبل حندرات) إضافة إلى مبلغٍ من المال ، فحصلنا على قطعة من الأرض و بنينا منزلاً فوقها ، و كلفنا بناء المنزل آنذاك 25 ألف ليرة سورية (ما يعادل 500$) و كان ثمن كيس الإسمنت وقتها ليرتين سوريتين . كان الجبل مليئاً بالحجارة الكبيرة ، و خالٍ تماماً من النباتات و الأشجار ، في البداية تعبنا كثيراً في تعزيله و تنظيفه من الأحجار و في تسوية بعض المناطق فيه كي نتمكّن من البناء عليه .. و بعد فترة مدّت الدولة لنا مياه للشرب من نهر قويق القريب من الجبل (على بعد حوالي 3 كم) و أنشأت صنابير مياه مشتركة لأهالي المخيم ، و كنا نذهب لالتقاط العلك و الحمّيض و نبات العرقوب قرب النهر .. و بدأ وضع المخيم يتطوّر تدريجياً إلى أن وصلنا إلى هذه المرحلة ، فاليوم غطت الأشجار التي غرسناها منذ مجيئنا ظهر الجبل ، و استطعنا التغلب على صعوبة الوضع .
    عملت في الماضي قابلة لتوليد النساء و كانت القرى المجاورة لنا أيضاً تطلبني لنسائها ، أما زوجي فعمل في بيع الإسمنت ، و بعد فترة أصبحت ابنتي معلمة و ابني حمزة أنهى دراسته و انتقل للعمل في الجزائر .

    ما حملته الحاجة كاملة مفلح معها لدى خروجها الأخير من فلسطين
    خرجت مع أطفالي السبعة أحمل بعض أواني المطبخ و هي :« طنجرة ، صينية كبة ، ملاعق ، إبريق زيت زيتون ، ..» كما اصطحبت معي حمار حملت عليه بعض الأغراض الأخرى خاصة اللحاف رغم أننا خرجنا في الصيف ، و أحضرت معي أيضاُ أوراق ملكيتنا لأراضينا و منزلنا في فلسطين . و كنت قبل فترة من خروجنا قد بعت بقرتين أملكهما ، و خبأت النقود في بيتنا ، و بعد مغادرتنا المنزل تذكرت النقود فعدت و حملتها في كيس علقته برقبتي و غادرنا .
    أما ما بقيَ لديّ الآن بعد 55 عاماً من خروجنا من كل هذه الأغراض فهو : «طنجرة ، صينية كبة ، مصفاة ، مقلاة للعجة ، و صندوق أضع فيه ملابسي و أغراضي الخاصة».

    سترجع فلسطين .. سترجع :
    حول رغبتها في العودة و أملها فيها بعد كلّ هذه السنوات ، و رغم بلوغها العام التاسع و التسعين من عمرها تقول الحاجة كاملة : "الله أعلم بموعد العودة ، لكن العودة نفسها ستتحقّق ، سترجع فلسطين .. سترجع ، ليت العودة تكون اليوم لأذهب منذ الآن لفلسطين ، فقط ابعثوا معي من يحملني إليها ، لأرى حيفا .. عكا .. عين غزال .. و الله إني أحفظها كلها كلها" .

    مواويل بلادنا ..
    و لا تنسَ الحاجة كاملة أن تذكّرنا بتراثنا الشعبي و مواويلنا الشعبية الفلسطينية التي غنّاها أجدادنا على أرض الوطن ، فتردّد لنا بعض الأبيات من العتابا الفلسطينية التي قلما سمعناها باللهجة الفلسطينية المحكيّة :
    بتذكر زماني إن كان ماضي
    سيف الحق للتوّ سيف ماضي
    أنا بقيت بدار العز ماضي
    و نور سروجنا عنا انطفى ...
    تسكت قليلاً ، ثم تشرح لنا قائلة : "يعني راحت فلسطين منا و انطفينا .."
    لكنها تتمسك و تذكر بالأمل في العودة فتردّد :
    شمالي يا هوا الديرة شمالي
    عليّ بيته بيفتح شمالي
    سألت الله والخضر الشمالي
    من الغيّاب ما يقطع رجا ..
    دروب الحبايب طير هدّا
    خيول معدّدة من دون عدة
    يا رب وقال ما بالعمر مدة
    و عجّل باللقا يوم الحساب ..



    مـحمد أبو عـرة
    1
    1

    ذكر
    عدد الرسائل : 1256
    العمر : 30
    الأقامة : في المنفى...
    العمل : Technological techniques
    تاريخ التسجيل : 27/04/2007

    رد: اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللج

    مُساهمة من طرف مـحمد أبو عـرة في الأربعاء يوليو 18, 2007 5:59 pm

    لن ننسى
    (4)
    اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 و آلام اللجوء

    ولد الحاج عبد الرزاق سمور أبو محمد في ترشيحا بفلسطين عام 1921م ، و شهد ثورة العام 1936م و معارك حرب 1948 ، و ما زال يذكر ترشيحا و يسرد لنا أهم أحداث تلك المرحلة بكثير من التفصيل .. عن ترشيحا و ثورة 1936 و معارك الـ 1948 التي خاضها شعبنا الفلسطيني ضد المحتل البريطاني و العصابات الصهيونية ، و النكبة و الخروج من فلسطين ، و بداية رحلة اللجوء .. حدّثنا الحاج أبو محمد قائلاً :

    ترشيحا :
    تقع ترشيحا في الجزء الشمالي من فلسطين ، يحدّها من الشمال جنوب لبنان ، و من الغرب قرى الكابري و عمقا ، و من الشرق البقيعة (يسكنها دورز و مسيحيون) و سحماتا و الدير و صفطوطة ، و من الجنوب كفر سميع و الكسرى و قرية يانوح (يسكنها دروز) .
    اشتهرت ترشيحا بزراعة الدخان ، و سكن القرية المسلمون الفلسطينيون و هم الغالبية ، إضافة إلى المسيحيين الفلسطينيين الذين كانوا يشكّلون سدس سكان القرية و يتمركزون في حارة من حارات ترشيحا ، و كانت معاملتنا مع بعضنا البعض جيدة جداً ، كنا نرتدي الزي الشعبي الفلسطيني ذاته و نعيش طريقة الحياة ذاتها ، بحيث كان من الصعب على غير سكان القرية تمييز المسلم عن المسيحي ، حتى أن مطرانهم كان عندما يزور ترشيحا يحلّ ضيفاً على عبد القادر الجشي ، و لما يسأله المسيحيون لماذا لا تحلّ عنده لا عندنا يقول : "أضيف عند المسلمين لأنهم يحافظون عليكم و يقدّرونكم" .

    ثورة 1936 :
    و الله .. كانت الثورة جيدة و استطاعت الاستمرار و الإنجاز في بدايتها ، أذكر أول معركة وقعت في بلدتنا ، وقتها كنت عند نبع (عين العسل) في الكابري قرب قريتنا ، فأقبل علي حسين الداوودي - رحمه الله – و طلب مني أن أملأ «المطرة» له و أخبرني أن لدينا معركة اليوم بترشيحا ، ثم ركب جمله و اتجه إلى القرية ، و لما وصل أنزل حمولته و دعا 20 شاباً من قريتنا إلى الاجتماع و اجتمعوا كلهم ، و أخبرهم بنية الاشتباك مع العدو اليوم ، فقالوا له : «حرام عليك يا حسين إنت وحيد لأهلك» ، فأجاب : «أنا لديّ ولد ، فإذا استشهدت فإنه يكمل عني ..» .
    جمعوا أنفسهم (كان عددهم 17 شاباً من بينهم فوزي الرشيد) و ذهبوا إلى حلّ الشارب عند منطقة تدعي كركار ، و هي أرض صخرية قرب القرية ، فجمعوا الصخور و صفّوها على شكل سلسال ثم طلبوا من الإنجليز النجدة (بحجة أن الطريق قطع عليهم) ، طلعت سيارة إنجليزية للكشف ، و لما اقتربت من الموقع نزل أفرادها و ساروا على أقدامهم باتجاه الموقع كي يزيلوا الحجارة و الصخور ، فأطلق الثوار علهم النار و لم ينجُ من الإنجليز أيّ أحد .
    بعدها أتت دورية أخرى من الإنجليز (فوج نجدة) ، و قتلت ثمانية من الثوار ، و طوّق الإنجليز البلدة ، لكن البلدة لم تعترف بدخول أي ثائر منهم إليها ... ثم تتالت أحداث الثورة ، و تناوب عددٌ من القادة على منطقتنا ، إذ استلم عبد الله الأصبح ثم تلاه أبو خضر ... الخ ، و كان هؤلاء بمثابة حكومة ، أداروا أمور البلدة و وفّروا الأمان في القرى ، حيث عيّن الثوار محكمة للحكم بين الناس في كل قرية و كان أعضاؤها من أبناء القرى ، فكانت الثورة تحكم في الليل ، و دوريات الإنجليز تزور و تجوب البلدات في النهار ..
    كما أنشأت الثورة «الكف الأسود» و هو مجموعة من الثوار مهمتها اغتيال الجواسيس و العملاء و المخبرين و ضباط الإنجليز الذين يكافحون الثورة . ففي حيفا على سبيل المثال قتل الثوار 12 مدير بوليس في غضون 18 شهراً ، و ظلت حيفا دون مدير بوليس طيلة تلك الفترة ...

    استشهاد أبو خضر و عبد الله الأصبح :
    في يوم من الأيام طوّق الإنجليز بلدتنا ، و كنا قبل الطوق قد خرّبنا جميع الشوارع لمنع المصفحات من دخول البلد ، فكانت الشوارع من عكا للبقيعة و حتى سحماتا كلها معطلة ، فأتونا ليلة عيد الفطر ، و طلعوا علينا بالطائرات ، و في تلك الأثناء ردموا الشوارع و أصلحوا بعضها و دخلوا البلدة ، عندها جمعونا في الكراج حتى الصباح ، ثم جمعونا لنخرج إلى سحماتا ، عندها هبت الناس ، و استطاع البعض الإفلات لا سيما الشباب ، أما كبار السن فسقطوا على الأرض و لم يستطيعوا إفلات أنفسهم ، و كان قد قتِل البعض في معركة الليلة و من بينهم عبد الله الأصبح و أبو خضر ، أما نحن فقسمونا إلى قسمين ، قسم أرسلوه إلى البقيعة ، و قسم آخر إلى سحماتا و كنت مع هذا القسم ، قعدنا بعض الوقت تحت أشجار الزيتون ثم قالوا لنا ارجعوا إلى ترشيحا ، و عدنا .

    محاربة الثوار :
    بعدها اختلطت علينا القيادة ، و تتالى على القيادة عدد من الشخصيات التي حاربت الثوار .. جاءنا أبو إبراهيم الكبير ، و أبو إبراهيم الصغير ، و أبو محمود .. الخ . و صاروا يبحثون عن المخاتير الذين يطعمون الثوار خبزاً و يقتلونهم ، و من يأوي عنده ثائر يقتلوه .. و ظللنا في المشاكل حتى آخر معركة .. بعدها دخل الإنجليز الحرب العالمية ، و طوّقونا و قتلوا اثنين من أبنائنا ، ثم جمعونا في ساحة الكراج وسط البلدة و قال لنا القائد الإنجليزي و هو يحمل عصاً بيده : يا ناس ، كان لدينا طفل صغير ندلّله و اليوم لم نعد ندلل أحداً ، لقد علقنا بحرب مع ألمانيا ، و كل بلد تطلع منها رصاصة سننسفها..

    جيش الإنقاذ و معركة جدّين :
    كان أول من دخل بلدنا من جيش الإنقاذ هو القائد أديب الشيشكلي ، لم يدخل البلدة مباشرة إنما أتانا من الجنوب ، فعرفنا بقدوم الجيش ، و ذهب عبد الله الجشي لملاقاتهم مصطحباً ثلاثة من الشباب ، أراد الجيش العربي احتلال «جدّين» ، لقد عشنا في جدّين و ربينا فيها ، لذا كنا نعرفها بالشبر ، و لما سمعنا من الجيش عزمه على احتلالها قال لهم أبو سهيل : يا شباب ستخسروا بجدّين ، أنا مستعد لإرسال أربعة شباب من أبناء القرية ليحتلّوها .
    و كان اليهود يسكنون في غرفٍ من صفائح (تنك) حول قلعة جدّين من الخارج ، فنبّه أبو سهيل الجيش العربي أن هؤلاء اليهود عندما سيسمعون إطلاق الرصاص سيدخلون القلعة و يتحصنون فيها ، و القلعة حصينة جداً لا تتأثر بالأسلحة ..
    لكنهم رفضوا اقتراح أبو سهيل و أخبروه أنهم لا يردّون إشراك أولاد البلد .. لكنهم استعانوا بأبي إبراهيم الكبير ، الذي رابط في كنيسة تشرف على جدّين و على الجبل كله ..
    طوّق الجيش جدّين في الليل ، و أرسل قسماً من الجنود لنسف الجسور ، و كانت الخطة أنه في تمام الساعة الخامسة صباحاً إلا عشر دقائق يهاجم الجيش القلعة ، و في الخامسة و عشر دقائق ينسفون الجسور ، انتظر المرابطون عند الجسور حتى صارت الساعة الخامسة و الربع و هم يمسكون بالمناظير يرقبون مهاجمة الجيش للقلعة لكنهم لم يلحظوا أي حركة ، إذ كان الجيش ينام في الوعر ، عندها نسفوا الشوارع و الجسور ، فأفاق الجيش على الصوت و هاجموا القلعة و كان اليهود عندها قد هربوا إلى داخل القلعة ، لكن ثلاثة منا استطاعوا الدخول قبل اليهود و هما : إبراهيم شيطارة ، و محمود رشيد ، رشيد الشيخ يوسف ، و قتلوا 60 يهودياً ، و كانت من اليهود فتاة يهودية تحاول طلب النجدة من حيفا هاتفياً ، و كان الذي يردّ على هاتف النجدة (زكي كينا) من ترشيحا ، فقال لها : لن تصلكم أي نجدة لأن الجيش العربي يسيطر على الطريق من عكا إلى جدّين ..
    و لما وصل الجيش العربي منتصف القلعة من الداخل و رفع اليهود شارات الاستسلام ، صاح بهم أبو إبراهيم الكبير «انسحاب يا عرب ، انسحاب يا عرب» فانسحب الجيش ، و أثناء انسحابه قتلت تلك الفتاة اليهودية 14 مقاتلاً من الجيش العربي ..
    يذكر أن من قام بنسف الشارع و الجسور ليس من جيش الإنقاذ ، إنما هو أحد أبناء ترشيحا ، نصراني يدعى محمود حمود و لقبه الدقي ، قتل أربعة جنود في سيارتهم الجيب و استولى على بنادقهم .

    معركة الكابري :
    جاءنا رجل فلسطيني من عكا ، و أخبرنا أن اليهود خرجت لإيصال تمون إلى جدّين ، و طلب منا الاستيلاء على التموين الذي ينوون إيصاله بالبراشوت ، حيث كنا وقتها نطوّق جدّين بالكامل ، و قال لنا : "إذا لديكم قدرة اسبقوهم ، و إن لم يكن حيّدوا لهم الدرب لأنهم خرجوا بمصفحات و لا يوجد سيارات مكشوفة بينهم . عندها خرج بعض الشباب و وضعوا على الطريق شريطاً شائكاً لمنع الدبابة .. طبعاً من المستحيل أن يمنع «الشريط أبو الشوك» الدبابة ، و لكن قدرة الله فوق كل شيء ، إذ تدخلت قدرة الله و قُلِبت أول مصفحة حاولت أن تجتاز الشريط الشائك ، و لدى انقلابها أغلقت الطريق بالعرض ، كان الشارع يتجه شرقاً و غرباً ، و من الجنوب كانت هناك تربة مرتفعة عن مستو الشارع ، و من الشمال كانت البساتين أخفض من الطريق ، و قسمنا أنفسنا قسم في البساتين و قسم في التربة ، عطّلنا المصفحات ، لكن بقي باص مكتظ بالركاب لم يؤثّر فيه الرصاص ، فألقى رشيد الشيخ يوسف نفسه على الباص و طلب من السائق التوقف فلم يصغ له ، و كان على مقربة من الطريق «بابور طحين» قرب منزل عبد الكريم كريم، و كان البابور يعمل على المازوت ، فأشار رشيد إلى الشباب أن يلقوا باتجاهه أحد براميل المازوت ، و لما اقترب البرميل من الباص أطلق رشيد النار عليه فاشتعل و اشتعل معه الباص ، و على الفور تعلّق رشيد بأسف الباص ، و صار كلما نزل يهودي من الباص للهرب أطلق عليه النار من رشاشه و قتله ، إلى أن قتل 17 يهودياً ، و استمر رشيد أبو نمر إلى أن بقيت فتاة يهودية واحدة لم تخرج و لم تقبل الاستسلام إلى أن احترقت داخل الباص و ماتت . و غنم رشيد 3 رشاشات ، إلا أنه أخفى واحداً منها و سلم ساري بك اثنين ، إذ كان ساري يلزم الشباب بتسليم كلّ ما يحصلون عليه و لا يترك بحوزتهم أي شيء .
    كانت الأطفال تشارك في المعارك و كادت النساء تغلب عدد الرجال في مشاركتها .. أذكر أن أمّ نمر زوجة رشيد حملت له صندوق الذخيرة إلى الجبل رغم المعارك الناشبة بين اليهود و الفلسطينيين ، و لما وصلت قالت له : "إجَتك أم نمر يا أبو نمر" ..كان أبناء قرانا يقسمون على قسمين ، جيش منظم ، و هو الجيش الذي تدرّب على استخدام السلاح ، و قسم دُعيَ السبيل ، و هو غير منظم .. و الحمد لله لم تمرّ علينا أي معركة لم نكسبها ، إذ لم نخسر في أيّ معركة .. لكن استشهد منا أحمد فارس ، كان يملأ عدساً ، ترك العدس و حمل بندقيته و استشهد ..

    معركة العيد الكبير :
    لغّمنا الشوارع و لم نخشَ الجبال إنما خشينا من الشوارع التي تستطيع المصفحات اجتيازها .. لذا لغّمنا الشارع على طول مسافة 3كم ، و على الشارع رابط الجيش المنظّم منا ، أما جيش الإنقاذ فلم يدخل ترشيحا و كان ممنوعاً عليه دخولها ، فقط نحن الذين خضنا المعركة ، و في هذه المعركة دمّرنا 7 مصفحات لليهود و استمر القتال ثلاثة أيام ، و في اليوم الثالث كان اليهود قد استولوا على تل أحمر من الفرقة اليمنية في جيش الإنقاذ ، فجاءنا اليمنيون و صلّوا الجمعة في ترشيحا ثم انطلقوا لاستعادة تل أحمر و قالوا : "تل أحمر لنا و نحن نرده" . و كان اليمنيون سريعين في المشي جداً .. و بعد يومين طلبوا منا مدّهم بثلاثين مقاتلاً ...

    سقوط ترشيحا :
    في آخر معركة كنا قد حفرنا الجبلين القريبين منا ، و بقي علينا حفر الجبل الثالث لعرقلة وصول المصفحات إلينا و لنصب كمائن لاصطياد اليهود ، و كنا نحمِل على الجمال أكياس رمل ، و لما وصلنا منتصف الطريق عند العصر ، هاجمتنا المدافع اليهودية من جهة عكا من البحر ، هربنا على الزيتون ، فلحقت بنا و قصفت أشجار الزيتون ، فأنزلنا حمولتنا و أطلقنا سراح جمالنا و التحقنا بالمعركة ، و لم نكن نملك سوى البنادق ، و استمر القتال حتى الساعة الثانية ليلاً ، كان رشيد و مجموعته يرابطون على التل ، و كانت اليهود تريد الاستيلاء على التل كي تحكم سيطرتها على البلد ، فذهب رشيد لتطويق التل قبل اليهود كي يخفّف الضغط قليلاً على مجموعته و إذا بيهودي يريد أن يفعل الشيء ذاته ، فصاح رشيد الله أكبر ، و علت صيحته فنزلت كالأمرّ مثل الصاروخ ، و صرنا نسمع كلمة الله أكبر على بعد 7كم ، و صار اليهود يضعون بنادقهم على أكتافهم و يطلقون الرصاص بالعكس باتجاهنا و يهربون ، ثم صاروا يرمون علينا معلبات بندورة ملغمة ، لكننا لم نمسّها حسب الأوامر التي أوعزت لنا ، و بعد انتهاء المعركة أخذنا أنا و رشيد نحصي قتلى اليهود لتسليمهم ، إذ كنا نفاخر بتسليم الجثث على عكس اليهود التي كانت تخفيها ، و فجأة جاءنا أبو أحمد محي الدين ، و سلاحه على الفرس فظننّا أنه قادم من نابلس ، فقال لنا : "ماذا تفعلون ، إذا متم الآن من الجوع لن تجدوا أحداً يطعمكم ، لقد احترقت بلدتكم ، و هي خاوية حالياً ..لا يوجد فيها أي شيء حي ، نساؤكم أخذن الأطفال و غادرن البلدة" ..
    كان جيش الإنقاذ قد أخبرنا أنه سيمدّنا بـ 800 جندي ، و فعلاً أحضروا لنا 800 جندي و وضعوهم في منطقة الصفصاف ، لكنهم لم يخبروهم أن هذه الجهة فيها عرب ، و تلك الجهة فيها يهود ، لذا و أثناء عبورهم الطريق الذي يقع في جهة اليهود قصفتهم اليهود و أجهزت عليهم جميعهم فلم ينجُ منهم أحد .

    رحلة اللجوء :
    علمنا أن جيش الإنقاذ انسحب من المنطقة فخرجت الناس و عائلتي من بينهم و اتجهوا إلى لبنان ، فلحقنا بهم إلى لبنان و هناك علمنا أنهم اتجهوا إلى حلب بواسطة القطارات فلحقنا بهم إلى هناك .. و التقينا في حلب ..
    و لما وصلنا حلب أسرعت لملاقاتي ابنتي سميرة و كانت تحمل أخاها على ظهرها فسقط منها على الأرض أثناء ركضها لملاقاتي .. كان الفلسطينيون يسكنون في مخيم النيرب في براكسات ، و كان الشعب السوري يوزّع الإعانات و الطعام على الفلسطينيين ، ثم تلاه الصليب الأحمر .
    لم نكن نملك أيّ شيء ، احتجنا لإناء كي نطبخ و لبعض الأغراض و كان ممنوعاً على الفلسطينيين مغادرة المخيم إلا بتصريح للخروج يتم تسليمه عند الدخول ، و كانت التصاريح صعبة جداً ، و تعذّبنا كثيراً حتى حصلنا عليها لشراء ما يلزمنا ..
    مكثنا 6 شهور في حلب ثم عشنا فترة مماثلة في المعرّة بمحافظة إدلب (وسط سورية) ، ثم انتقلنا إلى مخيم حمص .. و كان الصليب الأحمر يتولى إعانتها الغذائية ، ثم استلمت توزيع الإعانات علينا الأنروا .
    سكنا في مخيم حمص في مهاجع غير مقطّعة ، و كنا كلّ 16 عائلة تسكن مهجعاً واحداً ، ثم قطعوا المهاجع إلى غرفٍ ارتفاعها مترين ، و مساحتها 6 أمتار مربعة ، و بقينا في هذه الغرفة عدة سنوات ننام و نغتسل و نطبخ فيها ، ثم بنينا غرفة مجاورة لها ، ثم في عام 1972 استطعنا شراء قطعة من الأرض و بناء منزل فوقها .. و الحمد لله .
    و لدى سؤاله عن رؤيته للمخيم و رأيه به قال : "يجب أن يظلّ الفلسطينيون في المخيمات إلى أن تحين عودتهم إلى فلسطين ، لقد أصبح المخيم بلداً مؤقتاً لنا إلى أن نعود ، فعودتنا مؤكدة بإذن الله و لا عوض لنا عنها مهما مرت السنون و طالت" .



    مـحمد أبو عـرة
    1
    1

    ذكر
    عدد الرسائل : 1256
    العمر : 30
    الأقامة : في المنفى...
    العمل : Technological techniques
    تاريخ التسجيل : 27/04/2007

    رد: اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللج

    مُساهمة من طرف مـحمد أبو عـرة في الأربعاء يوليو 18, 2007 6:00 pm

    لن ننسى
    (5)
    اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 و آلام اللجوء

    «كنا متشبثين بأراضينا و بقريتنا التي عشنا فيها ، و إننا لنفخر و نعتز بأن اليهود لم يُهانوا في موقعة كما أُهينوا في معاركهم جميعها على أرض "لوبية" ... إذ بقي قتلاهم على أرضنا و لم يجرؤوا على استعادة أي جثةٍ منهم ..» .. بهذه العبارة و بهذا الحماس الشديد يبدأ نظمي خليل عثمان "أبو خليل " المولود عام 1929م من لوبية حديثه عن ذكريات الأيام الأخيرة من حياته في فلسطين .. لدى زيارتنا له في مكان إقامته بمخيم حمص للاجئين الفلسطينيين .. و أضاف :
    كنا قرويين ، و بدأنا نهيئ أنفسنا لمواجهة اليهود منذ عام 1947م ، لأننا أصحاب أرض و حق و لن نسمح لليهود أن يأخذوا أراضينا منا .. فكنّا نشتري الأسلحة من أموالنا الخاصة و نبيع كلّ ما نملك في سبيل شراء الأسلحة التي كانت مقتصرة على البنادق .. و كان ثمنها آنذاك باهظاً جداً ، لكن شعبنا الفلسطيني آنذاك كان غير منظم أو مهيأ ، و كان ينقصنا التنظيم بكلّ أشكاله حتى الشكل السياسي منه ، و رغم ذلك كانت القرى الفلسطينية تفزع و تهب لنصرة القرى الأخرى التي تتعرّض لهجوم من اليهود و البريطانيين ، و كان هذا شرف عظيم لكل الفلسطينيين .

    المقاطعة الفلسطينية لليهود قبل النكبة :
    لقد قمنا بواجبنا على أكمل وجه ، و لم نكن مقصّرين على الإطلاق في واجبنا الوطني . أما لماذا حصل معنا كلّ هذا و لماذا خرجنا ؟؟ فهذا أمرٌ خارج عن إرادتنا و سيطرتنا ، حيث انهالت علينا المؤامرات بدءًا من بريطانيا التي كانت منتدبة علينا آنذاك و كان وعد بلفور منطلقاً أساسياً لعملها ، و بدأت تعدّ لتنفيذه .. أما اليهود فأؤكد لكم أنهم لم يشتروا من الفلسطينيين أي قطعة من الأرض ، فالأراضي الفلسطينية التي سيطروا عليها ، حصلوا عليها من بقايا الاحتلال العثماني ، أما الفلسطينيون فلم يبيعوا أيّ شبرٍ لليهود ، بل على العكس فقد كان الشعب الفلسطيني آنذاك يطبّق سياسة مقاطعة اليهود في كلّ المجالات .. لا سيما في البيع و الشراء ، و كان «الكف الأسود» يقف في وجه كلّ من تسوّل له نفسه التعامل مع اليهود ، و هنا أودّ أن أسوق لكم حادثةً جرت مع صديقي "أبو تيسير" في طبريا ، فقد اشترى أبو تيسير (من قرية الشجرة) قميصاً من دكان في طبريا يملكه أحد أبناء قريته و دفع ثمنه جنيهاً فلسطينياً واحداً ، و بعد يومين و أثناء تجوّله في "طبيا" وجد القميص ذاته في واجهة دكان آخر و قد علق عليه سعر (نصف جنيه فلسطيني) ، تعجب أبو تيسير ، و دخل الدكان ليتأكّد من السعر فوجده صحيحاً ، عندها قرر شراء القميص ، و بعد أن دفع ثمنه و همّ بمغادرة الدكان قال له البائع بلهجةٍ غير التي حدّثه بها قبل شرائه القميص : « طول بالك خبيبي .. انتظر ..» عندها عرف أبو تيسير أن البائع يهودي ، و لكنه كان قد دفع الثمن و أخذ القميص ، فنظر إلى البائع فوجده ينظر من باب دكانه إلى الشارع يمنةً و يسرة ثم التفت البائع نحوه و قال : "أخرج الآن بسرعة ، لا يوجد أحد في الشارع" ... !!
    لقد فعل البائع ذلك خوفاً أن يرى أحد الفلسطينيين أبو تيسير يخرج من الدكان اليهودي ، لأن الفلسطينيين كانوا يقاطعون اليهود و كانوا يعاقبون كلّ من يتعامل معهم من الفلسطينيين ... أما أبو تيسير فذهل لمعرفته أن البائع يهودي و حمد الله على سلامته من العقاب ..
    و يتابع أبو خليل : "تصوّروا أن هذا على مستوى شراء قميص ، فما بالكم ببيع الأرض .. لقد كان ذلك مستحيلاً ، و أؤكد لكم أن اليهود لم يشتروا أرضاً من أيّ فلسطيني ، فالعقاب طال السماسرة أيضاً ، و كان (الكف الأسود) يقتل كلّ سمسار يسعى لإقناع الفلسطيني ببيع أرضه لليهودي .. لقد كنا مضرب المثل في الوطنية و لا نسمح لأحدٍ أن يزاود علينا أو أن يتهمنا ببيع أراضينا لليهود" .

    نجدة القرى بعضها البعض :
    لما هاجم اليهود الناصرة و القرى الصغيرة حوّلها ذات الاستعداد غير الكافي ، خرجنا في "باصٍ" كامل لنجدة الناصرة ، و كان هذا واجباً على أيّ قرية تعلم أن جارتها في خطر ..، و لما اقتربنا صرنا نلقي بأنفسنا من شبابيك "الباصات" بمعنوياتٍ عالية جداً للإسراع في الهجوم و المباغتة ، لكن للأسف كان اليهود قد أحكموا سيطرتهم عليها و على "صفوري" و احتلوا كلّ المناطق الاستراتيجية ، و تحصّنوا فيها ، فعدنا أدراجنا سيراً على الأقدام ، و أثناء عودتنا مررنا بعددٍ من القرى الفلسطينية فوجدنا بعضها خالٍ من أهلها ، و البعض الآخر يستعد أهلها للرحيل ، إذ سقطت الجهة الشرقية كلها بيد العصابات اليهودية . لذا و لما وصلت إلى بلدتنا لوبية طلبت من والدتي مغادرة البلدة و البقاء خارجها مع بقية النساء و الأطفال و الشيوخ ، أما نحن الشباب فبقينا في لوبية نقاتل اليهود .

    معارك لوبية :
    أساء أهل بلدتنا كثيراً لليهود ، و كان اليهود متحاملين جداً على أهل بلدنا ، و أقولها بكلّ فخر أن اليهود لم يخسروا معارك في فلسطين كما خسروا في لوبية .
    المعركة الأولى : في أول معركة خرج "باصان" لليهود من مستعمرة الشجرة ، و مرّوا بالطريق الموازي لقريتنا ، فأمطرناهم بالرصاص على "الجنبين" ، و خسروا عدداً كبيراً من عناصرهم .
    المعركة الثانية : أعدّوا لمقاتلتنا جيشاً بالآلاف ، حتى أنني تخيّلت أنهم لم يتركوا أيّ مسلح صهيوني في فلسطين إلاّ و أحضروه معهم ، فواجهناهم و اشتبكنا معهم بكلّ قوةٍ و صلابة و غنمنا منهم مصفحات و سيارات ، و ما زالت تلك الغنائم موجودة حتى هذه اللحظة في متحف سورية و مكتوب عليها «هدية من أهالي لوبية إلى فوزي القاوقجي» ، لكن جيش الإنقاذ لم يشارك معنا في المعارك نهائياً ، لم يكن لجيش الإنقاذ أي دور فعّال في قضيتنا ، و أنا أقولها بكلّ صراحة كان جيش الإنقاذ عبارة عن مؤامرة على قضيتنا بالتعاون مع من أسس لذلك من العرب ، لقد تعرّض شعبنا الفلسطيني لمؤامرتين من بريطانيا و من العرب .
    المعركة الأخيرة : بعدها خضنا عدداً من المعارك ضد اليهود ، و كان آخرها المعركة التي طوّق اليهود فيها قريتنا من الشمال و الجنوب و شنوا ضدنا هجوماً مزدوجاً من الشمال و الجنوب بالمدافع و المصفحات ، أما نحن فلم يكن لدينا سوى البنادق .. و كانت تلك آخر معركة خضناها ، و اضطررنا نتيجتها إلى الانسحاب من قريتنا و الرحيل عنها .. إذ كانت القوة التي تحاربنا أكبر بكثير من الناحية العسكرية منا ، و معداتها أحدث و أكثر و متعدّدة .

    معاناة اللجوء .. و انتزاع الحياة :
    وصلنا إلى هنا بسبب التآمر البريطاني الذي وجد مناخاً مناسباً من قبل الدول العربية التي تعاونت معه ، إذ لم يفكّر جيش الإنقاذ بإنقاذنا أو القتال معنا و تحرير أرضنا و وطننا ، على العكس تماماً إذ سرعان ما اقتسمت الدول العربية أرضنا أمام أعيننا و حرمونا منها قبل أن يحرمنا اليهود منها .. و لم نقوَ على فعل شيء حيال ذلك .
    قدمنا إلى سورية التي كانت مستقلة حديثاً ، و استقبلنا شعبها بكلّ كرم و إخاء و لم يقصّروا معنا على الإطلاق ، رغم فقر الغالبية منهم ، أما نحن فعشنا حياةً صعبة جداً ، سكنّا العرش (بيوت سقفها من قش و سعف ..) ، و سكنّا الشوادر و الخيام ، و ذقنا معاناة لم يعشْها أحد من قبل .. و كنا نذهب في الليل إلى مدرسة كانت الأنروا قد استأجرتها للتعليم نهاراً ، كي ندرس على ضوء اللمبة هناك ، إذ لم يكن في العرش و الخيام إنارة ..
    بالنسبة لي عملت موظفاً إدارياً في وكالة الغوث عام 1954 ، و التحقت بالجامعة السورية و درست الحقوق ، و الحمد لله استطعت تعليم أولادي جميعهم ، و اليوم يعمل أحد أبنائي أستاذاً في إحدى الجامعات السورية و نال درجة الدكتوراه ، و ابن آخر حاصل على دبلوم في الفيزياء و الكيمياء ، و ابنتي حاصلة على دبلوم في الرياضيات .. و الحمد لله استطعت أن أؤسّس لهم ما يستندون إليه و يعينهم في حياتهم رغم كلّ ما عشته و قاسيته في الماضي ، و الحمد لله الشعب الفلسطيني الذي تشرّد و عانى اللجوء استطاع أن ينتزع الحياة من قلب المعاناة التي عاشها .

    نواحٍ من المؤامرة البريطانية العربية :
    و يشير العم أبو خليل إلى بعض نواحي المؤامرة التي حيكت على شعبنا الفلسطيني قائلاً : "كنا نقاتل عدداً محدوداً من اليهود في فلسطين قبل النكبة ، و لكن و بعد خروجنا القسري من فلسطين ، و للأسف الشديد فتحت الدول العربية حدودها أمام يهود و سمحت لهم بالرحيل إلى فلسطين ، و بالتالي ساهمت بشكلٍ كبير في زيادة أعدادهم في فلسطين و زادت من معاناة من بقيَ منّا في الوطن .. فدعموا اليهود و أضعفونا نحن .. و اليوم تستمر المؤامرة العالمية العربية علينا ، ففي آخر قمة عربية رفع أشقاؤنا العرب شعار الصلح و التطبيع مع الكيان الصهيوني فكانت قمتهم قمة استسلامية محضة ، لم يرَ فيها العدو غير ضعف العرب و استسلامهم الذي دفعهم إلى مثل هذا الشعار ، و بالتالي لم يعد يخشى أيّ شيء .. و زاد في ظلمه لشعبنا إذ تيقّن بعدم وجود أيّ دعمٍ عربي للشعب الفلسطيني" .
    من جهةٍ ثانية استذكر أبو خليل حرب 1967م و عاد بذكرياته إلى الهزيمة العربية آنذاك : "كان قائد أركان الجيش الأردني آنذاك مشهور الحديثي ، و قال في مقابلة أجريت معه عام 67م ، (لقد قتلنا من الصهاينة 120 جندياً)، و لما سمعنا ما ذكره ، صرخ أحد أهالي الشجرة قائلاً : يكفيكم فخراً يا أهالي لوبية أنكم قتلتم من اليهود في معركة واحدة أكثر مما قتلت ثلاثة جيوش عربية في عام 67م" .

    العودة بعد 55 عاماً :
    في الواقع عندما أنظر إلى أهلنا في فلسطين أشعر بالتقدير و الفخر و الاعتزاز ، و أحمد الله أننا لا نزال واقفين على أقدامنا ثابتين في أرضنا ، في حين هناك دول عربية عديدة بجيوش غفيرة و كبيرة لم تستطع أن تقدّم ما قدّمه الشعب الفلسطيني ... الحمد لله أننا نرعب العدو الصهيوني بأقل الإمكانيات ، في حين لا يرى ذلك العدو العالم كله .. و لا يحسب له حساباً .
    لقد أقرّت الأمم المتحدة بحقّنا في العودة إلى وطننا ، و نحن نحمد الله على أننا استطعنا الوقوف في وجه الفقر و الذل و الجهل و بقينا أقوياء متمسكين بحقوقنا جميعها و في مقدّمتها حقّنا في العودة إلى بلادنا و وطننا الذي لا نرضى أيّ بديلٍ عنه في العالم كله مهما كان .. و لا نرضى بعودة قسم و بقاء القسم الآخر خارج فلسطين ، إننا نريد عودة الكل إلى الكل، عودة جميع الفلسطينيين إلى جميع و كامل فلسطين .



    مـحمد أبو عـرة
    1
    1

    ذكر
    عدد الرسائل : 1256
    العمر : 30
    الأقامة : في المنفى...
    العمل : Technological techniques
    تاريخ التسجيل : 27/04/2007

    رد: اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللج

    مُساهمة من طرف مـحمد أبو عـرة في الأربعاء يوليو 18, 2007 6:03 pm

    لن ننسى
    الحلقة (6)
    اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللجوء

    ولد الحاج رجب إبراهيم قنيرة عام 1914م في كفر لام قضاء حيفا، وفيها قضى طفولته وشبابه.. إلى أن اندلعت الحرب الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني عام 1948، ونتيجة للمجازر البشعة التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بحق الفلسطينيين في العديد من القرى والمدن الفلسطينية، اضطر وأهله إلى مغادرة فلسطين واللجوء إلى سورية، حيث استقروا في مخيم عين التل (حندرات) للاجئين الفلسطينيين في حلب شمال سورية.

    يصف الحاج رجب "كفر لام" قائلا:« كفر لام قرية قديمة، وكانت عبارة عن مملكة في الزمن القديم، لها سور وبوابة، تتربع على ارتفاع شاهق عن مستوى سطح البحر، تطل على البحر وتبعد عنه مسافة 3 كم، بينما تبعد عن حيفا 27كم وعن يافا 90كم، تحدها من الشمال قرية صرفند، من الشرق جبع وعين غزال وإجزم، ومن الجنوب الطنطورة، وسكة القطار السريع تمر بغربي القرية، ويبلغ عدد سكان كفر لام 400 نسمة.

    * المهاجرين اليهود إلى فلسطين:

    كان اليهود الذين في بلادنا لا يتجاوزا العشرين ألف موزعين في حيفا وقضاء عكا والقدس، لكن الإنجليز أصدروا قانوناً يسمح بدخول 250 يهودياً مهاجراً على فلسطين كل شهر، ولكن في الحقيقة كان يدخل أضعاف أضعاف هذا العدد شهرياً إلى فلسطين فترة انتداب بريطانيا على فلسطين، فيعتقلهم الإنجليز مدة شهرين ثم يفرجوا عنهم.

    * مجازر العصابات الصهيونية بحق الفلسطينيين:

    احتل اليهود قرية الطنطورة التي تبعد عن قريتنا 2 كم، وقتلوا 165 فلسطينياً من أبناء القرية، ثم جمعوا عدد كبير من أهالي القرية وصفوهم على شاطي البحر كي يرشقوهم بالرصاص، لكن مختار مستعمرة زمارين اليهودية تدخل ومنعهم من رشقهم، كما كان اليهود يجمعون 20 شابا ورجلاً ويرغموهم على حفر خندق طويل بأيديهم ثم يصفوهم بموازاة الخندق ويرشقوهم بالرصاص ويقتلوهم، فيسقطوا في الخندق الذي حفروه..أي يجعلوهم يحفرون قبورهم بأيديهم. ولو كان اليهود احتلوا قريتنا ونحن فيها لعملوا بنا أكثر مما ارتكبوه في دير ياسين..لأنهم خسروا كثيراً من القتلى خلال هجماتهم المتقطعة علينا قبل مغادرتنا القرية..

    * خيانة الأسلحة:

    كنا نطلب نجدات من الجيش العراقي فيعدونا ويعد أيام يقولون لنا « ماكو أوامر» أي ليس لديهم أوامر لإعطائنا أسلحة، وذات مرة أخبرنا يهودي أنه يستطيع شراء الأسلحة لنا من مصر، وبالفعل أحضر لنا كمية من البنادق من سيناء مصر، ولكن كل بندقية منها قتلت صاحبها، لأنها كانت محشوة بالديناميت بدلا من البارود.. كما كانوا ينادون علينا بأسماء عربية معينة..تعال يا فلان..وأنت يا فلان.. فيأتي الشخص منا يظن أن عربيا يناديه أو يعرفه فإذا به يهودياً مسلحاً فيطلق عليه النار ويقتله..

    أما خيانة السلاح العراقي، فذات مرة أعطانا الجيش العراقي مدفع مضاد للطائرات، فأحضرناه وجربناه فأطلق قذيفة تغزل غزلاً، فقلنا علينا الاحتفاظ بالقذائف إلى حين وصول الطائرات اليهودية، ولما هاجمتنا الطائرات حاول شبابنا إطلاق قذيفة من المدفع لكن المدفع انفجر بهم وقتل اثنين وجرح اثنين آخرين من الذين حوله..
    لقد كنا شعب أعزل لا نملك السلاح، بعكس اليهود الذي كانوا مدربين على الأسلحة ومجهزين بأحدث الأسلحة والآليات العسكرية، فبريطانيا قدمت معسكراتها التي في فلسطين لكامل عدتها وعتادها إلى اليهود بينما نحن لم تعطنا الجيوش العربية قطعة سلاح واحدة..

    * الهجوم على البلدة:

    مع اشتداد الأوضاع والهجمات الصهيونية على القرى والبلدات الفلسطينية عام 1948م وانتشار فظاعة ما ارتكبه الصهاينة من مجازر بحق الفلسطينيين لا سيما في دير ياسين وكفر قاسم، اتجه وفد من أبناء كفر لام إلى إخوانهم في القرى المجاورة (جبع، إجزم وعين غزال) لاستشارتهم في وضع البلدة وما يجب أن يفعلوه، أخبرهم إخوانهم هناك أن منطقتهم ساحلية مكشوفة، لذا لا يستطيع أبناء تلك القرى أن يفزعوا لأبناء كفر لام إذا ما تعرضت لهجوم من قبل عصابات اليهود، فاقترحوا عليهم أن ينتقلوا مؤقتاً إلى إحدى تلك القرى ريثما تهدأ الأوضاع، ونتيجة ذلك انتقل أهالي كفر لام إلى تلك القرى، لكنهم لم يستطيعوا المكوث طويلاً إذ سرعان ما اتجه 12 رجلاً من أبناء كفر لام إلى قريتهم ومن بينهم الحاج رجب:

    « كانت القرية خالية تماما من أي كائن حي، وعلمنا من أهالي صرفند أن اليهود أتوا إلى قريتنا وسرقوا الدجاج الذي تركناه في القرية ثم رحلوا عنها، بعدها صرنا ننقل محاصيلنا إلى خارج القرية، حيث مكثنا في قرية قريبة من قريتنا مدة من الزمن إلى أن وصلت باخرة كبيرة قرابة الساحل، ووضع اليهود على سطحها مدافع كثيرة وبدؤوا يقصفوا القرية، ولم نكن نملك ما نرد به على تلك القذائف، فأسلحتها بسيطة جدا وقديمة عبارة عن بواريد (بنادق) فقط..لذا هربنا إلى الجبال باتجاه الكرمل، إلى أن وصلنا بلد تدعى عرعرا وكفر قرعا، فوجدنا الناس يجلسون تحت الأشجار بالمئات، إذ كانت جموع كبيرة قد سبقتنا إلى هناك من قرى مختلفة.. لقد تعبنا كثيراً، حتى أطفالنا مشوا 12 ساعة متواصلة بين الجبال والوديان إلى أن وصلنا تلك المنطقة..



    * دفعات اللاجئين الفلسطينيين إلى العراق:

    ومع طلوع الشمس وصلنا ولي عهد العراق عبد الإله قادماً من العراق، فقال أنه سيحمل هذه الجموع إلى العراق على نفقة الحكومة العراقية، وكان الجيش العراقي وقتها متمركز في هذه المنطقة، وبالفعل انطلقت قافلتين تقلان مئات الفلسطينيين إلى العراق، ولما كدنا نذهب في القافلة الثالثة، صدر قرار عن القيادة العراقية يمنع فيه كل فلسطيني قادر على حمل السلام من الذهاب إلى العراق أو حتى مغادرة فلسطين بشكل عام، أي من بلغ عمره الأربعين عاماً فما دون يُمنع من المغادرة، ونظراً لعدم قبول والدي المسن الافتراق عنا واصطحاب نسائنا وأطفالنا معه إلى العراق، بقينا جميعنا معاً في فلسطين ولم نغادر وقتها..

    بعد عدة أيام نادى مناد في نابلس "من يريد الذهاب إلى الشام..فليركب السيارة ويدفع 5 جنيهات أجرة عن كل راكب" وكان المنادي لديه سيارة شحن كبيرة، فصارت الناس تسجل أسماءها وتصعد إلى صندوق السيارة، فلما وصلنا وأردنا تسجيل أسماءنا لم نجد لنا مكاناً حيث اكتظت السيارة تماماً بالركاب..

    طبعا هذا الرجل _ صاحب السيارة_ استغل وضع الناس آنذاك ورفع سعر الأجرة إلى رقم خيالي، فالجنيه آنذاك كان مبلغاً كبيرا فما بالكم بالخمس جنيهات فلسطينية..!!

    بعدها رحلنا من نابلس إلى جنين وطوال مسيرنا كانت القرى والبلدات كلها تحت سيطرة اليهود، ووجدنا فور وصولنا جنين سيارة تنادي إلى الشام، بأجرة 2 جنيه عن كل راكب، فصعدنا، ولما وصلنا الحدود السورية أوقفونا فترة من الزمن، اتصلوا خلالها بالرئيس القوتلي فسمح لنا بالدخول إلى سورية، فأركبونا القطار ووزعونا على المدن والقرى السورية بحسب استيعاب كل منطقة، وقتها كنت قد سألت عن أفضل منطقة ننزل بها فقالوا لنا "حمص"، فلما وصلناها وأردت النزول مع عائلتي، لم يسمحوا لنا لعدم وجود استيعاب فيها، واستمرت الرحلة إلى أن وصلنا حلب حيث نزلنا فيها ومكثنا في ثكنة عسكرية قديمة مهجورة ثم وزعونا على القرى المجاورة.. وبعد قرابة 3 سنوات، قدمت الحكومة السورية لنا أراض في جبل حندرات، وكان وقتها وعر ومليء بالصخور الكبيرة جدا..فعزلناه بأنفسنا وفتتنا صخوره وسوينا أرضه وبنينا فيه بيوتنا وشجرناه..ومنذ عام 1962م ونحن نقيم في مخيم حندرات في حلب.



    مـحمد أبو عـرة
    1
    1

    ذكر
    عدد الرسائل : 1256
    العمر : 30
    الأقامة : في المنفى...
    العمل : Technological techniques
    تاريخ التسجيل : 27/04/2007

    رد: اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللج

    مُساهمة من طرف مـحمد أبو عـرة في الأربعاء يوليو 18, 2007 6:04 pm

    لن ننسى
    (7)
    اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 و آلام اللجوء

    ولد في مدينة صفد في ثورة عام 1929م ، تفتّحت طفولته على أصوات الرصاص الإنجليزي و الثورات الفلسطينية المتلاحقة في وجه المنتدب المحتل ، شارك في المقاومة صغيراً ، و دافع عن بلده كما جميع أهالي فلسطين كباراً و صغاراً لردع الهجمات الصهيونية الغاصبة و المجازر الدموية التي ارتكبتها عصابات الهاغاناه ..
    هجمات المحتل الإنجليزي و دوي مدافعه التي اخترقت أولى مشاهد طفولة حسين عطوة - 1929م - عادت بقوى مضاعفة من العصابات اليهودية لتخترق ثانية أجمل لحظات عمره ، ليلة زفافه و ما كان من المفترض أن يكون «شهر عسل» ...
    عن فلسطين ، عن صفد و أيام البلاد .. عما رسخ في ذاكرته من مشاهد ودع بها و عروسه فلسطين مجبراً .. إلى أن وصل سورية ، حدثنا الحاج أبو موفق و زوجته الحاجة فتحية عبد الهادي - أم موفق - ...

    صفد .. مفتاح فلسطين التاريخي :
    يقول الحاج أبو موفق : تتربع صفد على قمة مرتفعة شمال فلسطين ، و يتبع لقضائها حوالي 82 قرية فلسطينية ، و يذكرها التاريخ على أنها مفتاح فلسطين من الجهة الشرقية . يحدها من الشرق بحيرة طبريا ، و من الغرب جبل الجرمق الفاصل بين عكا و صفد ، و من الشمال لبنان .. و الشمال الشرقي سورية .
    بلغ عدد سكان صفد عام 1948م حوالي 14 ألف نسمة ، منهم ما يقارب 3500 يهودياً سكنوا حياً واحداً في صفد يدعى الحي اليهودي ، أما بقية السكان فمعظمهم من المسلمين الفلسطينيين فيما كان المسيحيون قلائل .. و كنا نعيش مع إخواننا المسيحيين كأسرة واحدة . و كان في صفد خمس مدارس للتعليم .

    الحي اليهودي في المدينة :
    كان اليهود يسكنون حياً وحيداً في صفد ، و لم يكونوا ملاكاً للأراضي هناك ، و لم يملكوا سوى البيوت التي سكنوها ، و كانوا يخشون حتى الطفل الفلسطيني الصغير .. أذكر أنني لما كنت أمر بحيهم أثناء عودتي من المدرسة إلى المنزل ، كان الأطفال اليهود جميعهم بمن فيهم الأكبر مني سناً ، يهربون و يسرعون إلى الاختباء في بيتهم ، عندما يروني أو يروا أي فلسطيني يمر بحيهم .. كانوا جبناء و كانوا يحسبون لنا حساباً كبيراً ، و في المقابل لم نكن نقيم لهم أي وزن آنذاك . و في 1929 انطلقت الثورة في صفد بمهاجمة شبان القرية للحي اليهودي الذي سارع سكانه اليهود برفع الرايات البيضاء و استسلموا لنا أكثر من ثلاث مرات في هجمات متفرقة .

    الدعم البريطاني لليهود و احتلال صفد :
    كان الإنجليز يضايقونا كثيراً ، و عانينا الأمرين منهم ، و خضنا عدة معارك ضد الإنجليز .. لكن الإنجليز لم يتوقّفوا عن حد مهاجمتنا و محاولة قمعنا ، إنما تعدّوا ذلك إلى الدعم العسكري للعصابات اليهودية في هجومها ضدنا ، و نتيجة ذلك سقطت المدن الفلسطينية على التوالي في أيدي العصابات الصهيونية ، منها سقوط حيفا التي هاجمتها قوة مكونة من حوالي 80 ألف من القوات البريطانية المساندة لليهود ، و سقوط طبريا التي تبعد عن صفد قرابة 65 كم ، إضافة إلى عددٍ كبير من المدن و القرى الفلسطينية الأخرى .. و لما حاصرت القوات الإنجليزية و اليهودية صفد من جميع الجهات باستثناء الجهة الشمالية ، انطلقت هجمات تلك القوات من تلك المدن و القرى المحتلة ، و بدورنا دافعنا دفاعاً مستميتاً عن بلدتنا ، رغم بساطة أسلحتنا التي اقتصرت على البندقيات القديمة و العصي و الحجارة ، و شكلنا مجموعة للحراسة الليلية ، و لكن القوة العسكرية للعدو كانت أكبر مما نملكه بكثير حتى على مستوى التدريب ، فجنود العدو كانوا مدرّبين بشكلٍ كبير و شامل ، على خلاف شبابنا الذين كان القليل فقط منهم يحسن استخدام السلاح ..
    و في المحصلة نفذت ذخيرتنا بعد استماتتنا في الدفاع ، فشكّلنا حماية للانسحاب و انسحبنا من القرية مع نسائنا و أطفالنا ، و مررنا بعدة قرى و مناطق فلسطينية بعد خروجنا و سقوط صفد ، إلى أن وصلنا لبنان ، و منها إلى سورية حيث سكنّا مخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين مدة أربعة شهور ، بعدها وزّعونا على القرى السورية المجاورة ..

    العرب خانونا :
    أما الحاجة أم موفق فبدأت حديثها بالصرخة قائلة : « العرب خانونا .. قالت لنا قواتهم اخرجوا من بيوتكم مؤقتاً على أن نقضي على اليهود ، خوفاً من تهدم البيوت فوق رؤوس أطفالنا ، فخرجنا بثيابنا التي كنا نرتديها فقط .. و لم نحمل معنا أي شيء ، ظناً منا أننا عائدون بعد ساعات قليلة .. و غادرنا البلدة باتجاه السهل المجاور لها ، و بقينا ثلاثة أيام ، انسحب رجالنا بعدها ، و اضطررنا إلى الهجرة رغماً عنا إلى لبنان بسبب مجازر اليهود و احتلالهم بلدتنا بعد نفاذ الذخيرة .. و ما إن وصلنا بنت جبيل في لبنان .. و مكثنا بضع أيام حتى لحق بنا جميع الجيش العربي بعد أن سلّم بلدنا لليهود و ضحك علينا .. لقد خاننا العرب .. خانونا» .

    تشرّد و لجوء في شهر العسل :
    خطبت لزوجي في غمرة المشاكل و الهجمات بيننا و بين اليهود و الإنجليز ، و في ليلة زفافي كنا نشعل البابور (بسبب عدم وجود الكهرباء و كان ذلك حال اليهود الساكنين في حي اليهود في صفد أيضاً) و في هذه الليلة سمعنا دويّ انفجار قريب جداً لنا ، و من أثر الانفجار و دويّه ارتفع لهيب البابور مسافة بلغت ثلاثة أذرع إلى الأعلى ، و زغدرت النساء رغم الخوف حينها ، ظناً منا أن شبابنا نسفوا الحي اليهودي ، لكن و بعد دقائق علمنا أن اليهود فجّروا برميلاً من المتفجرات في أحد أحياء المدينة ..
    كانت أفراد قوات الهاغاناة يأتون لصفد من مختلف المناطق التي احتلوها في فلسطين ، و كان معظمهم شباناً و شابات .. يحملون على ظهورهم عصياً يعلقون بها صرراً كبيرة ، و يدّعون أنهم سائحون ، و يجوبون الشوارع و الحارات طيلة اليوم ، و مجرد أن تطلق صافرة (كنا نسمعها بوضوح) كانوا ينامون أينما وصل بهم السير ، و لما تطلق الصافرة ثانية يستيقظون و يكملون المسير حتى يصلوا الحي اليهودي و يدخلوا بيوته ، و كانوا يدخلون بالآلاف إلى ذلك الحي ، إلى أن نقلوا جيشهم و تمركزوا في الحي اليهودي و جهّزوا أنفسهم .. لقد كانوا ينوون غشنا و قتلنا .. و نحن لا نعلم ما يجري تماماً .. و لما طوّقناهم ذات مرة في حيهم هذا اصطادونا و قنصونا من خلال الطاقات و الشبابيك في أعالي بيوتهم .. دون أن نتمكّن من رؤيتهم ، و لدى مغادرتنا البلدة كنت في اليوم العشرين مما يسمى شهر العسل ..

    ظروف الهجرة :
    و عن ظروف الهجرة القسرية تقول أم موفق : لما طلبت منا القوات العربية مغادرة البلدة مؤقتاً كي يتسنّى لها إبادة اليهود - كما كانوا يقولون لنا - نزلنا إلى وادي الليمون بثيابنا التي علينا ، و لم نحمل أي شيء ، باستثناء رغيف الخبز .. و بقينا ثلاثة أيام بعدها صار اليهود يلقون علينا قنابل مضيئة تنير الوادي كله ، فغادرنا باتجاه القرى المجاورة .. و في إحدى القرى حملونا بسيارات البقر إلى لبنان ، و في لبنان أيضاً ركبنا عربات قطار البقر إلى سورية ..

    ما حملته من فلسطين :

    تستذكر أم موفق ما حملته من فلسطين لدى خروجها قائلة : "كنت أرتدي برجلي صندل عرسي ، و تقطّع قبل وصولنا إلى لبنان .. أما زوجي فحمل معه علبة الحلاقة و طقم واحد و حذاء .. و بقيت حافية أدوس الشوك .. إلى أن وصلنا حلب، و هناك أعطونا أحذية" ..

    نذر العودة :

    عن رغبتها في العودة إلى فلسطين ، و ما بقي من الأمل في العودة تقول أم موفق : « نذرت نذراً إذا رجعت فلسطين ، سأمشي لها حافية ..» .. و تنهار بالبكاء ..



    مـحمد أبو عـرة
    1
    1

    ذكر
    عدد الرسائل : 1256
    العمر : 30
    الأقامة : في المنفى...
    العمل : Technological techniques
    تاريخ التسجيل : 27/04/2007

    رد: اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللج

    مُساهمة من طرف مـحمد أبو عـرة في الأربعاء يوليو 18, 2007 6:05 pm

    لن ننسى
    (Cool
    اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 و آلام اللجوء

    خرج من بلدته (عين الزيتون) قضاء صفد تحت حراسة أفواج من العصابات اليهود ، احتجزت كلّ من بقيَ داخل القرية الفلسطينية بعد اجتياحها و الاستيلاء عليها من قبل تلك العصابات المسلحة ، من ثم اقتادتهم إلى خارج القرية حتى وصلت بهم وادي الطواحين في الوعر ، و بدأت بإطلاق الرصاص ..

    اللحظات الأخيرة في عين الزيتون :
    عن تفاصيل الاجتياح و ما لقيه أهالي قرية عين الزيتون الذين لم يغادروا القرية و بقوا فيها إلى أن دخلتها القوات اليهودية و احتجزتهم .. و عن رحلة اللجوء الصعبة التي عاشوها .. حدّثنا الحاج نور الدين قاسم خطاب - مواليد 1929م من عين الزيتون – عن ما يلي :
    في الواقع يا عمّي لقد ذقنا المر في ثورة 1936م و في حرب 48م ذقنا الأمرّين ، نعم الأمرين .. كان القائد أديب الشيشكلي قد أعطى أمراً لكامل المنطقة يطلب فيه من جميع الفلسطينيين البقاء في قراهم و مدنهم حتى لو احتلت ، و أن يدخلوا البيوت ذات القبو لما يبدأ الهجوم على القرية .. و قد أوصل الأمر إلينا قائد منطقتنا (إحسان ألماز) من حماة بسورية .

    لذا لما بدأ الهجوم على قريتنا و كان ذلك قبل أذان الفجر بحوالي الساعة ، سارعنا جميعنا إلى الاختباء في القبب .. كانت قريتنا على سفح جبل في منحدر ، لذا هاجمها اليهود من أعلى الجبل مستخدمين المدافع و الرشاشات و القنابل .. في حين لم يكن لدى حراسنا من أبناء القرية ما يدافعون به عن القرية سوى البنادق القديمة ، لذا لم يستطع أبناء القرية الصمود كثيراً في وجه القوات اليهودية الغازية ، و اضطروا إلى الانسحاب ..

    و بعد اجتياح اليهود لقريتنا سمعناهم ينادون (قديما .. قديما..) أي تعالوا تعالوا ، فخرج من كلّ منزل واحد منا و رفع "حطته" البيضاء معلناً استسلامنا ، و كنت من بين الذين أمسك بهم اليهود في القرية ، و لما خرجنا جمعونا في ساحة العين ، حيث كان في بلدنا عين ماء تقابلها ساحة كبيرة ، و يشرف على الساحة جامع القرية . جمعوا الرجال في الساحة ، بينما وضعوا النساء و الأطفال الصغار في جامع القرية ، و كان جيش اليهود يطوّق الساحة و الجامع .

    و بينما نحن في الساحة مجتمعين ننتظر ما سيحلّ بنا ، بدأنا نتهامس بين بعضنا البعض و قلنا أنهم سيقتلوننا لا محالة ، لأن أبناء قريتنا في ثورة 1936 كبّدوا العصابات اليهودية خسائر كبيرة ، لذا ظننا أنهم سينتقمون منا الآن . بقينا في الساحة حتى الساعة العاشرة صباحاً ، عندما وصلت سيارة جيب إلينا قادمة من صفد ، و نزل منها ضابط يهودي يضع كرباجاً (سوطاً) في حذائه ، فاستقبله أحد الضباط الموجودين في القرية ، و أدّى له التحية ، ثم تحدّثا إلى بعضهما و قدِما باتجاهنا ، فتناول الضابط القادم سوطه من حذائه و طلب أن نصطف كما صفوف الصلاة ، ثم فتّشونا ، وضعوا غطاءاً على أمامنا ، و أخذوا كلّ ما نملك و ألقوه على الغطاء ، لم يتركوا مع أيّ واحد منا أي شيء لا نقود و لا حتى خاتم ، حتى النظارات الطبية أخذوها من على عيني الواحد منا ، و لم يتركوا معنا حتى ثمن رغيف خبز ..

    بعد أن انتهوا من تفتيشنا صار الضابط يتجوّل بيننا بين الصفوف و يتفحّصنا واحداً تلو الآخر ، و كان كلّ شاب أو رجل يضربه الضابط بسوطه على كتفه يأخذه الجنود و يضعوه في سيارة شحن لها غطاء "شادر" يغطي صندوقها الخلفي ، و استمر كذلك إلى أن انتقى 37 شاباً من خيرة شباب القرية ، و انطلقت بهم السيارة بعيداً .. و بقينا نحن في الساحة ، فصفّونا مثل طابور الجيش ، و أحاطوا بنا من ثلاث جهات ، إذ تركوا الجهة الأمامية مفتوحة كي نخرج من القرية .

    أما النساء و الأطفال فأخرجوهم أيضاً من الجامع ، و فتّشوهم و أخذوا كلّ ما يملكون من مصاغٍ و نقود ، حتى الأطفال فتّشوهم بدقة خوفاً من أن تكون أمهاتهم قد خبأت معهم أي قطعة من النقود ، و أيضاً أحاطوا بهم من ثلاث جهات و مشوا بهم أمامنا ..

    و هكذا خرجنا لا نملك أي شيء على الإطلاق ، و ظلّوا يتقدّمون بنا إلى أن وصلنا الوعر الذي يصل إلى القرى المجاورة لنا ، فأطلقونا ، ثم بدأوا يطلقون الرصاص في الهواء باتجاهنا ، ليمنعونا من العودة إلى القرية ..

    رحلة اللجوء :
    بدأت الرحلة من اللحظة التي غادرنا فيها عين الزيتون ، لم نكن نملك أي شيء و لا حتى لقمة خبز ، و بعد مسير ليس بالقصير وصلنا وادي الطواحين القريب من بلدة مالون التي تقابل قريتنا ، فوجدنا مسلّحي بلدتنا في انتظارنا ، يترقّبون وصول أبنائهم و ذويهم ، تعانقنا و اجتمع "التمّ" كلّ واحد على عائلته و بدأت معاناتنا الجماعية في الهجرة القسرية عن الوطن ، مررنا بعدة قرى منها الصفصاف و كفر برعم ، ثم ذهبنا إلى بلدة يارون الواقعة على حدود فلسطين تماماً ، و هناك مكثنا ليلتين تحت أشجار الزيتون ، و الحمد لله أهالي القرية أطعمونا و سقونا ، بعدها اتجهنا إلى بنت جبيل في لبنان و هناك حملونا بالسيارات إلى بيروت و في بيروت وضعونا في الكرنتينا و منها حملونا بالقطار إلى سورية ، و وزّعونا على القرى و المدن السورية .

    دور الشعب السوري :
    و الله يا عمي لقد وقف الشعب السوري إلى جانبنا و ساعدونا مساعدة لم يلقَها أيّ لاجئ فلسطيني في أي بلد عربي أو أجنبي غير سورية ، كان السوريون يطوفون بالمحال و السمانة يجمعون لنا الزيت و الزيتون و الجبنة و الحلاوة و الخبز و يحضروه لنا ، و الله إني أقول ذلك ليس مراءاة لأحد ، لأنني بعد 76 عاماً من العمر لا أرائي غير الله ..

    و في عهد الشيشكلي ، وضع في صلب الدستور السوري «يساوى الفلسطيني و السوري في كافة الحقوق مع احتفاظه بجنسيته العربية الفلسطينية» فصار يحقّ لنا التوظيف و أن نصل إلى أعلى المراتب .. لقد عاملونا معاملة صادقة و نحن أيضاً عاملناهم بصدق أيضاً . و أنا شخصياً وُظّفت لمدة 34 عاماً و كنت على مستوى مهندس رغم أني لست بمهندس .. و الله لقد أكرمنا الشعب السوريّ و الحكومة السورية.

    الخيانة العربية و اللجوء الفلسطيني :
    كان جيش الإنقاذ العربي جيّداً كأفراد و مجنّدين ، فقد ضحّوا كثيراً و قاتلوا ببسالة ، و لكن الأوامر لم تكن مخلصة ، كأوامر الملك عبد الله و ساري و غيره .. لم يكن يعلم تلك الأوامر غير الله ، و لو كانت الأوامر بتقوى الله لما حدث لنا ما حدث ، لأن اليهود ليس لديهم مقاومة و لا يقدرون على القتال ، و الله لقد كانوا إذا رأوا أيّ شخصٍ مسلم فلسطينياً كان أم عربياً يحمل سكيناً ، كانوا يسرعون في الهرب و لو كانوا كثرة ، و الله لو كان حكام العرب مخلصين لله لما وصلنا لهذه الدرجة .. (يبكي الحاج نور الدين و يغصّ عن الحديث ..) .

    ثم يتابع بعد دقائق :
    لقد أخرجونا حفاة عراة لأجل الحفاظ على مراكزهم و مناصبهم ، إني أقول هذا الكلام و لا أخشى أي أحدٍ غير الله ، لقد ذقنا المرار ، و جيلي أنا خاصة ذاق المرار و العذاب .. لما خرجنا من فلسطين عملت كثيراً بأجرة نصف ليرة في اليوم لأعيل والدي و والدتي ، و لكني رغم كلّ عملي و تعبي لم أكن أستطيع تأمين الخبز لأطعمهم .. و لكنا نشكو أمرنا إلى الله . فلو كان حكّام العرب في ذلك الزمان أصحاب تقوى لما استطاع اليهود إخراجنا من فلسطين نهائياً .

    جميع حكام العرب اضطهدونا باستثناء سورية ، فاليوم يموت أخي أو والدي في الأردن و لا أستطيع رؤيته أو حتى المسير في جنازته لأني فلسطيني ، بينما يسمح لليهودي الدخول إلى الأردن بهويته فقط ، أما أنا فأحتاج إلى موافقة الملك شخصياً ..

    قصتنا مرة يا عمّي ، و قلت و أكرّر لقد ذقنا الأمرّين ، و لولا أصحاب الدين و الخلق و الشرف لكنّا ما نزال نذوق مرارة تلك الأيام بنفس الدرجة ..



    مـحمد أبو عـرة
    1
    1

    ذكر
    عدد الرسائل : 1256
    العمر : 30
    الأقامة : في المنفى...
    العمل : Technological techniques
    تاريخ التسجيل : 27/04/2007

    رد: اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللج

    مُساهمة من طرف مـحمد أبو عـرة في الأربعاء يوليو 18, 2007 6:07 pm

    لن ننسى
    (9)
    اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللجوء


    « تفتحت طفولتي على جثث أصدقائي وأبناء بلدتي، والله لقد رأيت أشلاء أجسادهم الطاهرة ملتصقة بجدار جامع قريتنا، وكان الدم يغطي كل شيء... لقد ذقنا المرار وحرمونا العيش بسلام منذ طفولتنا وقتلوا أهلنا دون استثناء أو تمييز بين شيخ وطفل.. وبعد كل هذا يطالبونا بالسلام...!!» كانت تلك أول العبارات التي نطق بها السيد محمد أحمد أبو حبل _مواليد قرية برير عام 1940م_، وكان مستاءً جدا من كل ما يسمع من الأخبار الرسمية في البلاد عن الهدن والسلام والاتفاقيات والمفاوضات.. وفي محاولتنا الرجوع إلى مرحلة طفولته التي حرم منها على حد قوله بدأ السيد محمد يصف تلك الأيام قائلاً:

    «أذكر كل شيء من معالم القرية، أذكر الدارين الدار الجديدة والقديمة، وأذكر قطع الأراضي التي كنا نملكها وهي:قطعة كرم حوالي 32 دونماً، ,ارض في منطقة "قمصة" كنا نزرعها خضراوات، وكنا نملك "حكورتين" وقطع أخرى مبعثرة من الأراضي في مناطق عدة..

    أذكر الوديان التي كنت ألعب فيها مع أصدقائي الأطفال، كنا نلعب ونمشي خلالها ونغني بفرح وابتهاج "ضق الواد يا عواد..شق المية يا عطية" .. أذكر الباحة التي كنا نلعب فيها والعلبة التنك التي كنا ندق عليها فتحدث صوتاً نغني على إيقاعه..لم نكن نشعر بأي حزن أو ضيق، كانت حياتنا سعيدة... »

    *حدود القرية:
    يذكر السيد أبو حبل أن قريته تقع إلى الشمال الشرقي من مدينة غزة وتبعد عنها بضعة كيلومترات وأنها كانت خالية تماما من اليهود ومستعمراتهم التي لم تكن حتى قريبة من قرية، ويعدد أسماء بعض القرى التي كانت تحيط بقريته من مختلف الجهات، ففي الشمال كانت تحدها قرية حليقات، ومن الجنوب قرية هوج، ومن الغرب قريتي سمسم ونجد، ومن الشرق عرب الثوابتة، ويصف طبيعتها بشبه الجبلية.

    * مقاومة الإنجليز قبل عام 1948م:
    يقول السيد محمد أن الإنجليز كانا يقومون بحملات تفتيش عن السلاح بسبب علميات المقاومة التي كانت قائمة آنذاك، وأثناء تلك الحملات كانوا يجمعون شباب القرية في ساحة واسعة تدعى «الجرون» وهي الساحة التي يتم تجميع الحبوب فيها أثناء موسم الحصاد...

    ويضيف: « كان أهل البلد يقاومون مرور الإنجليز واليهود، فقد كان هناك بعض المستوطنات في الجنوب وكان اليهود يخافون المرور بالطريق المعبد الوحيد الواصل إلى الجنوب والمار بوسط قريتنا، لذا كانوا يمرون تحت حماية إنجليزية، وكان أهالي القرية يتصدون لهم ويقاومون مرورهم، فيسقط عدد من الشهداء من أبناء قريتنا أثناء مقاومتهم لهم..».
    ويذكر العم محمد بحادثة قنبلة المولوتوف التي حاول أحد أبناء القرية إلقائها على ناقلة جند بريطانية وما نتج عن انفجارها من بتر يده وذراعه بسبب بدائية الأساليب التي كانوا يستخدمونها.. ويؤكد أن مستوى شباب قريته القتالي كان ضعيفاً وأسلحتهم بدائية وقديمة وقليلة العدد في حين كان اليهود ينعمون بأسلحة متطورة وكثيرة.

    * هجمات اليهود ومقاومة الأهالي:
    يقول العم محمد أبو غسان: « كان هناك عداء كبير من أهل القرية وبين اليهود بسبب مقاومة أهل القرية ومنعهم اليهود من دخول القرية، وكان انضم إلى مقاومي قريتنا عدد من المتطوعين المصريين شاركوا معهم في نزع الألغام.. وقد استشهد اثنين من أقربائي أثناء ذلك وهما محمد مصطفى عوكل الذي رأيت أعضاء جسده الممزقة أثناء نقلهم لها، ودبدوب سرحان..وأذكر صياح النساء وبكاءهن عليهما..

    أذكر أنه في أحد هجمات اليهود على قريتنا كنت مع اثنين من أصدقائي نلعب قرب المسجد فداهم اليهود القرية، وبدأ صوت الرصاص يشتد والصراخ يعلو، فهربنا إلى داخل المسجد، ومن شدة الخوف صرنا نلف أجسادنا بالأغطية الموجودة في المسجد كي نخبئ أنفسنا، ولما طال الوقت تركت أصدقائي داخل المسجد وخرجت لأرقب لهم الطريق حتى نرجع إلى بيوتنا، واتجهت من باب قاعة الصلاة إلى المغاسل المقابلة لها، فاقترب صوت الجنود ورصاصهم من المكان، فدخلت إلى حمام المسجد واشتد الضرب والصراخ .. في حين التصقت أنا بجدار الحمام، وبعد فترة من الزمن هدأ الوضع وغابت أصوات الرصاص، فخرجت من الحمام لأجد أشلاء جثة أحد أبناء القرية ودمائه تغطي سور المسجد.. هذه المشاهد رأيتها ورآها جيلي من الأطفال وأبناء قريتي بأعينهم... فكيف يريدوننا اليوم أن نعقد سلام، عن أي سلام يتحدثون، نحن لم ولن ننسى كل تلك الجرائم المروعة التي اقترفها الصهاينة بحقنا وبأهلنا..

    * المعركة الأخيرة:
    دخل اليهود قريتنا عند فجر اليوم 15\5\1948م وهاجموها من ثلاث جهات وتركوا فقط الجهة الشمالية مفتوحة ، وكانوا يقصفون القرية بالمدافع وألحقوا خسائر كبيرة في القرية..وأذكر أن أمي وأبي رحمهما الله ذكروا حوالي (105) شهداء من رجال ونساء وأطفال قريتنا استشهدوا في ذلك الهجوم، ولم يذكر التاريخ هذه الحقيقة ولم يدونها أحد، وهذه الحقيقة هي التي جعلت جذور الحقد تنمو في نفسي ونفس جيلي من الأطفال ودفعتنا فيما بعد إلى العمل ضد العدو والانضمام إلى التنظيمات الفلسطينية كوسيلة لتحرير الأرض كما كنا نعتقد..

    كان دفاعنا عن قريتنا في ذلك الهجوم ذاتياً باستثناء بعض الشباب المصريين الذين تطوعوا للمقاومة معنا، وقد تمركزا في مدرسة القرية وأيضاً استشهدوا ككثير من أهالي القرية، وأذكر أنّا لما غادرنا منزلنا هرباً من القصف المدفعي الصهيوني اشتعل حريق في بيتنا بسبب سقوط قذيفة على دارنا..

    * مراحل الهجرة:
    نتيجة احتلال العصابات اليهودية للقرية لجأنا إلى قرية حليقات شمال قريتنا، ولم نكن نحمل أي شيء فقد خرجنا دون شيء، فقد كان هم الأهالي النجاة بأنفسهم بعد انكسار المقاومة.. وأقامت أسرتي في منزل جدي (والد أمي)، أكر أن والدي صعد إلى سطح منزل جدي فصعدت خلفه وصرنا ننظر إلى النيران وهي تشتعل في قريتنا وإلى الدخان الصادر عنها، ورأينا "جرون" القمح والحبوب وهي تشتعل نتيجة القصف.. نظرت إلى والدي فرأيت الدموع تسيل من عينيه، فوقعت دموعه غصة في نفسي، وكانت تدفعني للتساؤل وأنا ما زلت طفلاً «لماذا يبكي أبي؟!» ولما عرفت الحقيقة آثرت نفسي وهيأتها لأكون عنصراً فاعلاً لخدمة وطني.

    وبعد أن لحق بنا العدو إلى قرية "حليقات" وهاجمنا مجدداً لجأنا إلى قرية مجاورة تدعى "كوكبة" شمالي حليقات، فلحقوا بنا فلجأنا إلى قرية غربها تدعى "بيت طيمة" ومنها إلى مدينة المجدل "مجدل غزة" التي مكثنا فيها مدة قصيرة ثم هاجمها اليهود أيضاً وقصفوها فلجأنا إلى قرية "نعلْيا" التي تقع جنوب المجدل، وهي قرية ساحلية، ومنها إلى قرية بربرة ومنها لجأنا إلى عدة قرى باتجاه الجنوب حيث غزة، وكانت تلك الرحلة كلها عبر أراضي رملية..

    ضياع أفراد الأسرة الواحدة:
    أثناء رحلة اللجوء المرة التي عاشها الفلسطينيون وآستها أسرة العم محمد، وفي الطريق بين "بربرة" و"هربيا" كان هناك بيارة كبيرة ضاع أثناء اجتيازهم لها أفراد أسرة محمد عن بعضهم البعض ولم يدر أي منهم أين ذهب الآخر، ولم يلتم شملهم ثانية إلا في قرية "السلاطين" القريبة من "جباليا" غربي "بيت لاهيا"..

    ويتابع العم محمد :« ولما وصلنا "جباليا" اتجهنا إلى قرية "خانيونس" ومنها عدنا ثانية إلى "جباليا"، وفي جميع المناطق والقرى التي لجأنا إليها لم يكن لدينا أي مأوى في أي منها، وكان ذلك حال معظم اللاجئين أمثالنا...».

    * شربت زيت المضخة من العطش:
    ويذكر العم محمد أنه أثناء الهجرة كان عطشان جداً ولم يكن أي أحد منهم يملك ماءً، وأثناء مروره بالبيارة وجد إبريق فيه زيت خاص بمضخة مياه البيارة _المتوقفة بسبب عدم وجود المياه_ فظن أنه ماء فشربه فإذ به زيت خاص بتشحيم تلك الآلية..

    * اللجوء الثاني ومعاناة الفلسطيني في الدول العربية:
    يقول العم أبو غسان: « أقمنا في "خانيونس" منذ عام 1950، وبعد حصولي على الثانوية العامة ذهبت إلى مصر وفي عام 1962م عدت إلى غزة، وعينت في عمل تابع لوزارة التعليم في مصر بالإسكندرية فعدت ثانية إلى مصر وتابعت تحصيلي العلمي أثناء عملي، كما شغلت آنذاك منصب أمين سر اتحاد عمال فلسطين في الإسكندرية، وعضو هيئته الإدارية، من ثم بدأ تشكيل اتحاد المعلمين الفلسطينيين في القاهرة وكنت عضوا في لجنته التنفيذية عام 1970 بعد تشكيله ومسؤول قسم الإعلام فيه، حتى العام 1975 حيث انتقلت إلى ليبيا للعمل هناك وكنت معلماً كما زوجتي التي تزوجتها عام 1972م، ويعد 12 عاماً من عملنا في سلك التدريس في ليبيا انتقلنا إلى سورية وبقينا فيها حتى هذه اللحظة..

    اتجهت إلى سورية لأن مصر التي أحمل وثيقة سفر صادرة عنها ترفض دخولي أراضيها بسبب ما كنت أقوم به من نشاطات سياسية لخدمة قضية وطني، أما ليبيا فكانت كل يوم تصدر قرارات تهدد لقمة عيشنا ومصيرنا الحياتي والاجتماعي، ووجدت أن سورية هي البلد الأفضل من حيث معاملتها للاجئ الفلسطيني..

    فأذكر أنني لما سافرت إلى مصر عام 1997م برفقة زوجتي المصرية، ورغم حصولي على تأشيرة لدخول مصر، حُجزت في مطار الإسكندرية ووضعت تحت الحراسة، ثم رُحّلت إلى مطار القاهرة أيضاً تحت الحراسة وبقيت جالساً على كرسي المطار حتى أرجعوني ثانية إلى سورية.. ومن هنا شعرت مرة أخرى بأهمية وجودي في سورية خلافاً لأي بلد عربي..


    مـحمد أبو عـرة
    1
    1

    ذكر
    عدد الرسائل : 1256
    العمر : 30
    الأقامة : في المنفى...
    العمل : Technological techniques
    تاريخ التسجيل : 27/04/2007

    رد: اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللج

    مُساهمة من طرف مـحمد أبو عـرة في الأربعاء يوليو 18, 2007 6:08 pm

    لن ننسى
    (10)

    الحاج أبو فايز ... ذاكرة تحفظ تفاصيل الطنطورة المدمّرة

    دمشق – خاص
    إذا أراد الجيل الذي لم يكتب له العيش في فلسطين ومعاصرة أحداث التآمر على هويتها و الشعور بالمرارة الحقيقية لمأساة النكبة التي مازالت آثارها مستمرة معرفة حقيقة ما جرى , فإنه يلجأ في كثير من الأحيان لكتب التاريخ التي تعد مرتعاً خصباً للتزوير و قلب الحقائق .

    ولكن لابد لهذا الجيل من اللجوء إلى الذاكرة الحقيقية التي ترفض النسيان .
    الحاج أحمد عبد المعطي (أبو فايز) جزء من هذه الذاكرة التي مازالت الحقيقة و أحداثها تحيا في داخله, و يأمل دوماً بتوريثها لمن بعده .
    تركت الصعاب وسنوات النكبة و الغربة آثارها على و جهه ,لكن سهول فلسطين و أشجارها لا تزال خضراء في داخله كما تركه آخر مرة.
    عرف طرقات كثيرة قادته و قادت الكثيرين إلى التشرد و اللجوء لكن طرقات قريته لا زالت تضج بأهلها .
    هذا الطريق يؤدي إلى الحقل, وهذا يؤدي إلى المسجد, و الآخر يصل القرية الهادئة بالمدينة , و .................
    أما ما يربطني بأبي فايز وهو من سكان الطنطورة أن كلينا مشترك في محطة اللجوء الذي يجسده أكثر من 4 ملايين فلسطيني يعيشون خارج وطنهم .

    يتوقون لصناعة مصيرهم القادم و إعادة ما فقدوا بظروف كانت أكبر من قدراتهم البسيطة , و بأماني زينها لهم من يدعون قيامهم بواجبهم عندما حاربوا ببنادق مكسورة طائرات العدو .
    دعاني أبو فايز إلى بيته , و جلسنا في مضافة عربية أعادتني إلى تاريخنا عندما كان يجتمع العرب عند كبيرهم لحل مشاكلهم , ويتوج اجتماعهم بحل يرضي جميع الأطراف دون الحاجة إلى تدخل طرف ثالث يدعي الحرص على المساعدة و هو لا يأبه إلا بمصالحه .
    و لم يغب عن أبي فايز دعوة رفاقه القدامى للمشاركة في تصوير ملحمة فلسطين, وكل واحد منهم أشبه بموسوعة فلسطينية و منهم الحاج يوسف سلام ( أبو موسى ) .

    - و أول سؤال طرحته على الحاج أبي فايز ذكرياته عن الطنطورة , الذكريات التي أصبحت النبع الذي ينهل منه كل فلسطيني ظمآن لأرضه , وعن التكوين السكاني و النشاط البشري لأهل القرية .
    أبو فايز: الطنطورة تقع على الساحل الفلسطيني جنوب حيفا و تحيط بها قرى : كفر لام , الفريديس , عين غزال و جسر الزرقاء وعدد سكانها حوالي 1200 نسمة , عملوا بالزراعة و صيد السمك .
    بعد صلاة الفجر كنت أذهب و أبي إلى صيد الرزق من البحر , متوكلين على الله , لنتلقي مع بقية الصيادين عند الشاطئ , وكانوا بعد إلقاء التحية يتحدثون عن حصيلة أمس من الصيد دون أن يخفوا أملهم بصيد وفير في اليوم الجديد , راضين بما قسم الله لهم من رزق . منتظرين شروق الشمس التي تؤدي أشعتها إلى ارتفاع حرارة المياه فتبدأ الأسماك بالغوص إلى الأعماق و عندها نلقي الشباك في البحر حتى غروب الشمس , و كانت حصيلة الصيد تنقل بالشاحنات إلى حيفا لبيعها وثمن الرطل بحوالي شلن .
    كما كان الصيادون من غزة و يافا و الجورة يقيمون في الطنطورة أواخر شهر أيار بانتظار موسم السردين الممتد من حزيران حتى آب .

    و ساحل الطنطورة يضم أرخبيلاً من الجزر المتصلة ببعضها وهي : جزيرة فلاتية , أعمر , الشدادة , الحمام و سطيح .
    وسميت جزيرة سطيح بهذا الاسم لقربها من الشاطئ و كان الصيادون يستريحون عليها . و جزيرة الشدادة فيها قصر روماني يحوي طاولات و كراسي منحوتة من الحجر و كانت أفراح القرية تقام فيها.
    صمت الحاج أبو فايز وكان وهو يتحدث إلينا من قبل يتفاعل مع مواقف حياة أهل قريته كأن صورتها ماثلة أمامه, و هو بهذا التفاعل يرفض الواقع الذي أدى إلى تدمير قريته من قبل الصهاينة .

    سألته بعدها عن حياة الفلاح لأنقله إلى مناخ نفسي آخر قد يعيد إليه لذة استدعاء مخزونه الإنساني و يبعد عنه ألمه .
    على الرغم من الجهد الذي يمنحه الفلاح للأرض و عناء متابعة الأمطار, إلا أنه كان قادراً على خلق الفرح آخر العام حيث يصبح موسم الحصاد عيداً يحتفل به و يحمد الله على ما أعطاه و من ّ عليه .
    والمحاصيل الزراعية متنوعة كالقمح و الشعير إضافة إلى البندورة و الخيار و البطيخ و السمسم الذي ينقل إلى قرية المنارة المجاورة لعصره و استخراج الزيت منه.
    و سألت الحاج أبو فايز عن ثورة 1936 ومشاركة أهل الطنطورة فيها ليكون وصف هذه الأحداث مدخلاً لتصوير النكبة و ممارسات الصهاينة .
    نعم اشترك أهل الطنطورة في الثورة و أذكر أن القائد نعيم المصري و الشيخ علي سلاّم كانوا قادة فصيل في الثورة , وكان يخدم في الشرطة البريطانية عدد من شباب الطنطورة و زوّدوا الثورة بالقنابل متن مستودعات سلاح البوليس البريطاني .

    وأضاف أن نهاية الثورة كشفت عن مؤامرات كانت تحاك لإخمادها تمهيداً لتسليم فلسطين مجاناً للصهاينة .
    وفي حديثه عن نكبة 1948 قال الحاج أبو فايز: قبل الهجوم على الطنطورة بأيام اقتحم اليهود قرية كفر لام المجاورة لنا و احتلوها .بعدها أنذرونا عن طريق مختار زمرين بتسليم القرية دون مقاومة , فرفض الأهالي الإنذار . و بدأ الهجوم على الطنطورة في 23 أيار الساعة 11 ليلاً من ناحية تلة الكركون و استشهد 4 أشخاص , و توقف الهجوم حوالي العاشرة صباحاً حيث أرسل اليهود تعزيزات من جهة البحر بواسطة القطار الذي يصل حيفا بيافا , و جمعوا أهل القرية عند شاطئ البحر وكانوا يختارون من بينهم أفراداً و يقتلوهم بدم بارد رمياً بالرصاص دون تمييز بين طفل و امرأة أو شيخ عجوز و شاب و دفنوهم في مقبرة جماعية . ونقل الأحياء من النساء و الأطفال إلى قرية الفريديس .
    تدخل الحاج يوسف سلاّم ( أبو موسى ) الذي كان شاهداً على ما جرى و كان عمره حينها 24 سنة مضيفاً : الرجال و الشباب وكنت من بينهم نقلوا إلى دائرة زمرين حيث تم التحقيق معنا لثلاثة أيام ثم أخذونا إلى سجن أم خالد عند مفرق طولكرم حيفا يافا و كان قبل ذلك معسكر للجيش العراقي , ثم نقلنا إلى قرية جليل قضاء يافا و بنوا معسكر اعتقال على شاطئ البحر و بقينا فيه مدة سنة , و كان معنا في المسكر ضباط و جنود من الجيش المصري و العراقي و المصري اعتقلوا بكامل عدّتهم العسكرية .

    وفي المعتقل اقترح علينا رجل من يافا فكرة الهروب من المعتقل و اتفقنا أنا و شخص من قرية عزّون و ابن خالتي (أنور فرحات ) على الهروب وكان الوقت حينها بعد منتصف الليل و السماء تمطر وترعد , و للهرب لابد من خلع ملابسنا كي نتمكن من النفاذ من الأسلاك الشائكة .

    بدأت أنا و تجاوزت السلك الأول و الثاني و فتحت ثغرة في السياج ممهداً الطريق لرفاقي و تجاوزت الحرس .
    و تمكنت من الهرب و حدي , ارتديت ملابسي و بدأت بالمشي بحثاً عن مدينة أو قرية لم تسقط بيد العدو حتى وصلت حدود تل أبيب , بعدها قررت العودة إلى المعتقل , اتجهت شرقاً إلى نهر العوجا و قطعت النهر ووصلت الطرف الآخر منه , لأجد نفسي في بيارة برتقال و كريفوت , و بقيت فيها حتى الصباح عندما سمعت صوت أقدام أحدهم ,حسبته للوهلة الأولى يهودي لكنه كان صاحب البيارة و هو فلسطيني و رحب بي و طلبت منه إرشادي إلى طريق القرى العربية , و دلني إلى بلدة بين قلقلية و طيرة بني صعب و التقيت فيها برفاقي الذين هربوا بعدي من المعتقل , و كانت أخبار هروبنا قد نشرت في الصحف .

    و ذهبنا إلى نابلس ثم إلى طولكرم و دخلنا مقهى للاستراحة و شرب الشاي و لم نكن نحمل النقود لدفع ثمن الشاي فشرحنا لصاحب المقهى قصتنا , فرحب بنا و استضافنا في منزله إلى أن اتصلت بأحد رجال قريتنا و هو فوزي أبو شكر و غادرنا طولكرم إلى سورية .

    عاود الحاج أبو فايز الحديث بعدما سألته عن مصير من نقل إلى الفريديس .
    نعم الأطفال و النساء و الشيوخ نقلوا إلى الفريديس و أقاموا فيها مدة 28 يوماً لننتقل إلى المفرق و بعد ها سرنا على الأقدام حتى طولكرم و أقمنا فيها 11 يوماً ومن ثم انتقلنا إلى الخليل و أقمنا في دير مسيحي مدة 6 أشهر .
    و كان أهل الخليل يحضرون الماء و الطعام لنا , و بعدها اتصل بنا أهل الطنطورة الذين فروا إلى سورية ووافق الملك عبد الله حينها على انتقالنا إلى سورية و نقلنا بالشاحنات من الخليل إلى مدينة درعا السورية و أقمنا في العراء (مكان كراج الباصات الحالي ) و نقلنا بعدها إلى بصرى و أقمنا في القلعة بظروف سيئة و مهينة لكرامة الإنسان حيث كانت الأرض فراشنا و السماء غطاءنا و لم يكن يجاورنا إلا الأفاعي السامّة . و يومياً كان يموت طفلين نتيجة للظروف الجوية السيئة حيث كان فصل الشتاء و تساقط الأمطار و الثلوج .

    وكنا نخرج إلى البريّة لإحضار العشب اليابس و أغصان الأشجار و الشوك لإيقاد النار علّها توفر لنا قليلا ًمن الدفء . وخلال إقامتنا في بصرى التي امتدت لستة اشهر قاسينا من الألم و العذاب لا تستطيع الجبال تحمّله .
    للنتقل بعدها إلى السويداء و أفمنا في معسكر للجيش الفرنسي وغاد رناها إلى دمشق عام 1952 و أقمنا في مخيم اليرموك و بعض العائلات أقامت في القابون أو حرستا و البعض الأخر أقام في اللاذقية في مخيم الرمل .
    و بنهاية لقائي مع رجل عاش جزءاً من عمره في فلسطين ومعظم عمره لفلسطين كان لابد من طرح السؤال الذي طالما راود و دغدغ مشاعر كل لاجئ و العودة إلى فلسطين أو الاقتناع بالأمر الواقع ؟
    أبو فايز : صحيح أن شعبنا شعب عملي تمكن من بدأ حياته من جديد خارج أرض الوطن و صحيح أن معظم اللاجئين أصبح لهم بيوتهم خارج فلسطين لكن هذا لا يعني التخلي عن حق العودة إلى فلسطين , و أنا واثق تمام الثقة بأن كل لاجئ مستعد للتخلي عن كل ما يملك في مخيمات اللجوء و المنافي مقابل العودة ألى فلسطين , العودة حق مقدس لا يحق لأيّ كان التنازل أو التفاوض عليه .

    مهما طال الزمان لابد من أن يحق الحق , وكل لاجئ من الجيل الأول مثلي زرع في أبنائه حب فلسطين و التمسك بحق العودة إليها و سنورث هذا الحق للأجيال التي تليهم حتى العودة و النصر بإذن الله .
    ختم الحاج أبو فايز بهذه العبارات وكان كل شخص من الجالسين يهزّ رأسه موافقاً على ما قال .

    مـحمد أبو عـرة
    1
    1

    ذكر
    عدد الرسائل : 1256
    العمر : 30
    الأقامة : في المنفى...
    العمل : Technological techniques
    تاريخ التسجيل : 27/04/2007

    رد: اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللج

    مُساهمة من طرف مـحمد أبو عـرة في الأربعاء يوليو 18, 2007 6:10 pm

    لن ننسى
    (11)

    حكاية عالية : فارقت أهلها و هي طفلة رضيعة، و عادت إليهم
    بعد 18 عاماً فتاة في ريعان شبابها



    من يافا، إلى الزقازيق في مصر،إلى مخيم بلاطة في الضفة ، ثم إلى الرصيفة في الأردن



    نابلس – خاص :



    لاتزال حكايات النكبة و مآسيها حية في الذاكرة الفلسطينية التي تأبى نسيان ما جرى، و تصر على الاحتفاظ بتفاصيلها لتبقى شاهدا على ما كابده شعب لاذنب له سوى أنه ولد وسكن فلسطين لآلاف السنين و ليقتلع منها بقوة الإرهاب و بخرافات صهيونية تدعي زوراً و بهتاناً بحقها في أرضه و وطنه.



    و إحدى هذه الحكايات هي حكاية سيدة يافاوية ... ولدت قبل النكبة بأيام ثم هجرت من وطنها بعد ان فقدت الاتصال بعائلتها إلى مصر لتقيم مع عائلة مصرية رعتها في "الزقازيق"، وبعد جهود مضنية اكتشفت عائلتها مكانها ، لتعود إلى كنف العائلة في مخيم بلاطة،قبل أن يعيد التاريخ نفسه ويرسم طريقاً جديدا للتشرد والمعاناة في 1967 و لتبدأ فصول نكبة جديدة في "الرصيفة" في الأردن.



    "عالية" ... لا ندري من أين جاء اختيار الاسم، ربما لو علم أهلها عند مولدها قبل النكبة بما ستؤول إليه حالها لسمّوها"يافا"... أو"فلسطين"كما جرت عادة اللاجئين في إطلاق أسماء المناطق التي هجروا منها على مواليدهم... لكن أحداً ما كان ليعارض لو أنهم اختاروا لها اسم"رحيل".



    تفاصيل القصة يرويها اللاجئ "صبري ذوقان"،من مركز حق العودة وشؤون اللاجئين الثقافي بمخيم"بلاطة"،نقلاً عن والده الذي توفي قبل أشهر دون أن ينسى توزيع تركته في حياته، تلك التركة التي يقول عنها صبري إنها أمانة ثقيلة تنأى الجبال عن حملها لكن اللاجئين تعهدوا بحملها و توريثها للأجيال القادمة حتى يتحقق حلمهم بالعودة إلى فلسطين.



    بداية الحكاية:

    يقول صبري إنه كان لوالده "محمود" عم يدعى "حسني ذوقان" وكان يقيم مع عشيرته "السوالمة" على ضفاف نهر العوجا في منطقة قريبة من يافا الساحلية، وكان يعتاش مع كل أفراد عشيرته من إنتاج مزارعهم وبياراتهم التي يعملون بها وكان لديه عمال يساعدونه في الزراعة بينهم عرب مصريون قدموا إلى فلسطين مع عائلاتهم طلبا للرزق.

    ويقول صبري: " في العام 1947 ولدت زوجة العم حسني طفلتها"عالية"، وتوفيت الأم خلال الولادة، لقد جاءت عالية للدنيا فاقدة للأم وحنانها لكنها لم تكن تعلم أنها ستفقد دفء العائلة و الوطن أيضاً".



    ويضيف صبري: " احتضنت عائلة المزارع المصري التي تعمل مع عائلة عالية الطفلة، وأرضعتها زوجة ذلك المزارع مع احد أبنائها حتى أصبحت شقيقته في الرضاعة، وبعد عام وقعت النكبة و مارافقها من مآسي".

    ليهجر الفلسطينيون من أرضهم وديارهم وأموالهم ويتفرقوا عن بعضهم البعض من شتات إلى شتات،حتى ان هناك عائلات توزع ابناؤها بين مخيمات"الضفة" و"غزة"،و"سوريا"و"لبنان"و"الأردن"، كان همهم الحفاظ على الحياة.

    أما الطفلة الرضيعة"عالية" فقد كان قدرها الهجرة دون أن تدري مع العائلة المصرية التي احتضنتها إلى أرض جديدة ووطن جديد في "الزقازيق" في أرض الكنانة"مصر"،فيما استقر أهلها الحقيقيين في مخيم"بلاطة" للاجئين شرق "نابلس" في الضفة الغربية.



    يقول صبري :" لقد جرت العادة في تلك الفترة اعتبار المفقودين من اللاجئين موتى، كان الحديث عن أرقام الشهداء الكبيرة في المجازر والمقابر الجماعية التي نفذتها عصابات "الهاجانا" و"شتيرن" و"البالماخ" وغيرها لا يترك مجالا لأحد ليعتقد ان ابنه أو أي قريب مفقود له مازال على قيد الحياة وهذا كان مصير"عالية"التي سلم أهلها لمشيئة الله وأقنعوا أنفسهم بفقدان الطفلة و تسجيلها في الذاكرة التي ترفض النسيان كشهيدة.



    نهاية الحكاية:

    وتعود الذاكرة التي سلمت على مضض بفقدان الطفلة إلى الأبد وبعد فترة من الزمن لتكتشف مصير"عالية"،عن طريق أحد أقاربها الذي استقرت به حياة اللجوء في مصر للدراسة حيث تعرف إلى احد أبناء عائلة المزارع الذي تعيش عندهم عالية كابنة لهم، راسل أهله، وابلغهم ان ابنتهم المفقودة لم تستشهد في النكبة وإنها تعيش كفتاة مصرية مع عائلتها الجديدة في"الزقازيق".



    والد عالية تلقى الخبر كهدية غير منتظرة ساقتها له السماء، سيلقى ابنته التي طالما تمنى أن يلقاها في الجنة، سيراها وهو لا يزال على قيد الحياة،و يتابع صبري: "كانت لهفة العائلة للوصول إلى ابنتهم التي حاولوا إقناع أنفسهم بفقدانها إلى الأبد كبيرة، لكن الظروف السياسية والجغرافية لم تكن لتسمح، كيف ستأتي إلى هنا ومن سيذهب لإحضارها وهل سيسمح لها من هجرها و هجر الملايين غيرها بالعودة إلى فلسطين؟.

    كلها أسئلة كانت تدور في الذهن،لكن سؤالا أهم كان يتصدر المشهد ماهي ردة فعلها عندما تعرف حقيقة أنها فلسطينية الولادة،وفلسطينية الدم والهوى ؟؟.



    أجرى الطالب الفلسطيني في مصر اتصالاته مع محافظ "الزقازيق" لتسهيل المهمة، فيما قام الفلسطيني والنائب في البرلمان الأردن حينها "راشد النمر"بالتحركات الدبلوماسية اللازمة لتسهيل عودة"عالية"إلى أهلها.

    وسافر والدها إلى"الزقازيق" للقاءها، كان يحس انه عاش نكبتين،نكبته بفقدان ابنته سوف تنتهي،أما نكبته مع ملايين اللاجئين فكان يأمل ان تنتهي أيضا.



    صدمت عالية حين علمت بقصتها، رفضت في البداية تقبل القصة، أنكرت أن لهجتها وثيابها المصرية، هي سمات اكتسبتها فلسطينية هجّرت عن أرضها دون ان ترتكب ذنباً. وأخيراً أقنعها الوالد المصري أنه لم يكن أباها الحقيقي.

    وتم الترتيب لعودتها إلى ارض الوطن وكان ذلك في العام 1965 حيث نقلت من مطار"القاهرة" إلى مطار"قلنديا" قرب القدس.



    خرج كل من يعرف العائلة للقاء"عالية"في مطار"قلنديا"ثم عادوا بها إلى مخيم "بلاطة"،كان المشهد "بروفة" مصغرة للعودة التي طالما حلم بها و عاش لأجلها كل لاجئ فلسطيني.

    لتعود عالية إلى جذورها إلى العائلة التي لم تنسى في يوم من الأيام طفلتها ذات الربيع الأول،لتعود إليهم بعد طول غياب شابة في مقتبل عمرها، لم تصدق "عالية"بثيابها ولهجتها المصرية أنها كانت ضحية نكبة حرمتها كما حرمت مئات الآلاف غيرها من حنان و دفء العائلة بعد فقدانها لحنان أمها التي توفيت عند ولادتها.



    و تبدأ "عالية" حياة جديدة بعد زواجها من ابن عمها وهجرتها معه إلى"الرصيفة" في الأردن بعد نكسة 1967.

    ويقول صبري ذوقان:" عالية من بنات عمي وزوجها كذلك، رحلوا من يافا إلى بلاطة ثم الأردن، لكن أطفالهم لم يعيشوا مرارة التنقل، إنهم يستمعون دائما لهذه الأحاديث فلا تزيدهم إلا تمسكا بحق العودة إلى"يافا".ولسان حالهم يردد دائماً،"لو تحركت الشمس إلى اليمين، ولو تخلت الأهرام عن حجرها المتين، ولو عاد كل صهيوني لرحم أمه جنين، لن نتنازل عن شبر من ارض فلسطين".

    yafawi
    عضو
    عضو

    ذكر
    عدد الرسائل : 6
    الأقامة : يافا عروس البحر
    تاريخ التسجيل : 29/07/2007

    رد: اللاجئون الفلسطينيون في سورية يتحدثون عن معارك 48 وآلام اللج

    مُساهمة من طرف yafawi في الإثنين أغسطس 06, 2007 4:31 am

    ظلم في كل مكان

    يعطيك العافيه

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 04, 2016 11:57 am