شـبكة جنـين للـحوار

حياكم الله وبياكم واهلا وسهلا بكم في شبكتكم شبكة جنين للحوار ..
شـبكة جنـين للـحوار


    فتيان البحر الصغار!!

    شاطر

    فطومه
    عضو
    عضو

    انثى
    عدد الرسائل : 15
    تاريخ التسجيل : 10/05/2007

    فتيان البحر الصغار!!

    مُساهمة من طرف فطومه في السبت يوليو 07, 2007 4:59 pm

    (1)


    احتشد الرفاق الصغار من حولي وقد عزموا على الوصول إلى البحر النائي عنا وشدني إصرارهم على المغامرة بينما يتراءى لي وعيد أمي وغلظ عصاها وحدة أسنانها يوم تنشب في لحمي الغض !!

    ترددت وجفلت ؛ وافقت وامتنعت ؛ تقدمت وأحجمت ثم ساقني هدير البحر الذي يضرب في أذني من البعد فقد كان صوته جليلا فخما طغى على صوت أمي وشدني إليه !!

    حملنا زادَنا القليل " بطاطا حلوة وبعض الكستناء وأرغفة من خبز الصاج ، اختلسناها من صرّة أمي " و وعدَنا أحدُهم بصيد ثمين من سمك البحر أول ما يغطس فيه .

    اقتربنا من المكان !!

    كان مهيبا عظيما أذكر تفاصيله إلى اليوم : أحراش الصنوبر على امتداد لسان صخري أبيض يقطع اتصال البحر وأسفله حجارة اخضرت أطرافها من طحالب البحر وعوالقه، وعليها صيادون كبار وأطفال يلقون سنانيرهم في هدأة البحر الساكن وتنبعث رائحة الشاي المطيّب بالميرمية من أباريقهم المسنودة إلى حجارة صغيرة يتوسطها فحم حجري وخشب الصنوبر وخشب جاف من بقايا كرائم البحر إليهم .

    كانوا جميعا ساكنين – إلا من حركات أيديهم - لا يكاد يكلم أحدهم الآخر بينما ترفع عصيّهم سمك "الغريب" الضارب إلى السواد الذي يحب صحبة الصخر ويأنس إليه .

    بينما تجد آخرين ومعظمهم من الشباب الأشداء وقلة منهم من الكبار يلقون شباكهم الصغيرة وقد شمروا عن سيقانهم اليابسة السمراء متقين أشعة الشمس بطاقية بيضاء تدور مدار الرأس ويمتد محيطها قليلا ليخفي عيون الصيادين الزرقاء من انعكاس زرقة البحر عليها .

    بين هؤلاء وهؤلاء مساحة فارغة لا يتداخلون فيها فالأولون يتسلّون ويمارسون هوايتهم ويكتفون ببعض السمك والآخرون مرتزقون يبحثون عن لقمة عيشهم .

    (2)


    كان اللسان الصخري الأبيض أشبه بجبل ماخر في حَباب الماء، وتبدو أشجاره التي تتدرج على منحدَره كسقف سفينة ضخمة وكنا نقول إن هذا اللسان كسفينة نوح - عليه السلام - حتى إن مدرجاته التي توصلك إلى سفحه لا يستطيعها إلا الملّاح الماهر إذ يحتاج الأمر منه إلى قفز بين الصخرة وأختها والتدلي بين أخريات إلا من آتاه الله زورقا صغيرا يعبر به إلى ذاك السفح اللازوردي الجميل .

    ولا يبعد عنه مصب نهر عذب صغير يعانق البحر في مشهد دائري بديع يتداخل فيه اللونان ؛ وقبل التقاء مرج البحرين تتضام ماء النهر الصغير إلى نفسها في بركة كبيرة وكأنها تودّع بعضها قبل الفناء في ذلك البحر الكبير .

    كنا نحب اللقاء أيضا في هذا المكان رغم أنه أنأى من أحراش لسان الصنوبر وكثيرا ما يلقي البحر من خيراته في هذا المكان فنجد الألعاب والأخشاب والأسماك الكبيرة التي ضربتها أصابع الديناميت ولم تلتقطها يد الصيادين فوصلت إلينا وقد أكل بعضا منها أفواهُ سمكات جائعات نجت من الموت الزؤام .

    كنا نسميها بِرْكة الوداع ولا ندري سببا لهذه التسمية ولعل السبب أن أحدا إذا أراد زيارتنا ختم زيارته لنا بموافاة هذا المكان الساحر .

    ولا أنسى منظر أولئك الشباب الفتيّ الذي يصطاد السرطانات " السلطعونات " الضخمة الحمراء المختلطة بالزرقة وهم يتضاحكون بغباء هذه القشريات البحرية ؛ كان يبعث هؤلاء أحدهم حاملا أمعاء سخلة ميتة ( كرشة ) فيسبح إلى منتصف بركة الوداع ويرمي هذه الأمعاء المربوطة بإحكام إلى حبل متين ينتهي طرفه إلى يد شاب قوي البنية مفتول العضلات ؛ وعادة ما يكون هذا المنتخب لحمل الأمعاء سبّاحا ماهرا خبر المياه العذبة وطميها ومشقة خوضها ؛ ثم يأتيك المشهد الأكثر بهجة عندما يسحب الشاب حبله لترى عشرات السلطعونات الضخمة الخضراء الضاربة إلى الصفرة تضع مقابضها في كرشة السخلة المسكينة تحاول قضم قطعة منها وتظل ممسكة بها قابضة عليها حتى بعد أن تخرج من الماء فيلتقطونها واحدة واحدة ويتسلّون بشوائها على صفيح " تنكة " زيتون تجدها قربك دوما هناك ، بينما يتسلّى آخرون بوضع الأصداف الكبيرة الحية على الصفيح الساخن لينفلق من السخونة وقد بقبقت محارته و تتنفّس هواءها الساخن .



    (3)


    وبين أحراش الصنوبر على امتداد اللسان الصخري الأبيض والنهر الصابّ في جوف البحر شاطئ فضيّ الرمل ناعم المَوْطَأ مخمليّ الفرش تنتشر فيه شجيرات من قصب أجوف نصنع منه عِصيّ الصيد وتختفي فيه هوامّ البحر من ثعابين وكلاب ... .

    كنا سبعةً أو ثمانية نتسلل من درانا القريبة من البحر نغافِل أمّنا العزيزة التي تتوعّدنا كلما علمت بذهابنا إلى هناك وتعدّ لنا وجبة ساخنة من عصاها الغليظة وقبقابها المصنوع من خشب البلوط القاسي ولكننا كنّا نصبّر أنفسنا دوما على مثل هذه اللحظات الحمراء مقابل ساعات صفاء وراحة بال أمام البحر الأزرق ورماله الفضية .
    كان يوما مثالياً لممارسة هواياتنا البحرية الكثيرة فقد كنا نختبئ خلف جاروفات البحر التي تجرف السمك جرفا ونلتقط ما يتقافز من جيب شبكتها الضخمة ونخرج عادة بصيدٍ سهل وفير لا يلبث الصيادون البخلاء أن يتحلقوا حولنا ليأخذوا صيدنا وهم يتصايحون ويتصارخون لإبعادنا .

    لابد إذن من الانتقام !!

    نتظاهر بأننا فتيان مؤدبون فيأخذ كل منا مكانه في شد حبلي الجاروفة حتى إذا وصلت إلى الشاطئ ممددة أخذنا بتقطيع شباكها بأمواس صغيرة وننتزع صيدنا المنهوب رغما عنه ونطلق سيقاننا لتسابق الريح مقهقهين حتى نصل إلى مرج الشوك المليئ بالفخوخ الرملية التي نصبناها للغرباء الطارئين فأيما أحد وصل إلينا يريد اقتحام حصننا سقط في حفرة عميقة فراشها الشوك والمسامير الصدئة الخارجة من خشب بناء قديم ثم نتجهّز له بقصفه بقذائف حديدية من مسامير قديمة ملتوية تقذفها أعوادنا المطاطية ولا يخرج هذا الغازي المقتحِم إلا بتقديم اعتذاراته فنشترط عليه شروطنا لإخراجه

    ولا أنسى مرةً أننا تعاقدنا مع أحد المهزومين هؤلاء على إعطائنا حمارا من النوع الشاميّ المعروف باتساع الظهر وارتفاع المتن وكانت أياما لا تنسى معه قبل أن يسترده الأعداء منا في معركة بحرية غير متكافئة وقعتُ فيها أسيراً لساعات تعرضت فيها لتعذيب قاسٍ من أعدائنا المحليين .

    (4)


    كنت أخطف النظر إلى البحر خطفا ولم يرُْعْني فيه آنذاك سوى لقطاته الصغيرة من سُميكات وسلطعونات وهدايا البحر والغوص لالتقاط سمك البوري والبلميدا الكبيرة المكتنزة باللحم الأبيض المورّد التي تهلك بينما يتفجر الديناميت في فضائها المائي .

    وإذا جلسنا على رمال الشاطئ الفضي كان تثيرنا جحور السلطعونات ذات الأرجل الطويلة الرشيقة التي تستفزنا بسرعتها وهي تخرج من الماء وتدخل كالبرق في سرعته إلى جحرها بينما لا تبعد عنا سوى أمتار قليلة .

    أَجْلَبنا عليها الفتيان بعد أن استفزّتنا بحركاتها وقمنا بعملنا المعتاد للقبض عليها وإصدار حكم الأكل شيّاً عليها على صفيحة "تنكة" زيت صدئة !!

    نقوم بحفر دائرة كالحلقة حول جحرها ونعمق الحفر ثم نصبّ الماء على جحرها فتخرج إلينا هازئة فنقوم نحن بتحطيم غرف جحرها من الأسفل فتهوي وقد أصابها الاضطراب فنلتقها من أعجازها ونحن نهزأ من مقابضها الحادة التي لا تصنع شيئا لمن أمسكها من الخلف .

    ولكن بعضها شديدة الحيلة فتهرب إلى البحر ولكنها لم تظن أن دخولها البحر هو النهاية لها ولاسيما إذا كانت صفحة البحر صافية وموجه هادئا .

    نجري وراءه وهو مطمئن إلى حكمته وحنكته وقد غذّ الجريَ إلى محيطه ولا يدري أن طول أجسادنا في الماء تلغي خصوصية سرعته وسباحته فنقبض عليه ونرفعه منتصرين وقد فتح عينيه ولحمتي فمه الصفرواين مذهولاً مدهوشاً .



      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 10:05 am