شـبكة جنـين للـحوار

حياكم الله وبياكم واهلا وسهلا بكم في شبكتكم شبكة جنين للحوار ..
شـبكة جنـين للـحوار


    مســــاء دافئ.... قصة من الشتات

    شاطر

    مـحمد أبو عـرة
    1
    1

    ذكر
    عدد الرسائل : 1256
    العمر : 30
    الأقامة : في المنفى...
    العمل : Technological techniques
    تاريخ التسجيل : 27/04/2007

    مســــاء دافئ.... قصة من الشتات

    مُساهمة من طرف مـحمد أبو عـرة في الإثنين أكتوبر 29, 2007 3:58 pm

    مســـاء دافئ


    كانت جميلة... أو هكذا كان يراها، جميلة وهادئة كأروع ما يكون...
    لعلها كانت بلسما يداوي جراح غربته الطويلة، ونسمة دفء تغمره بالحنين... الدفء، لكم افتقد شمس بلاده في هذا المنفى البعيد، فرغم وجود كل هذه المكيفات والمدفئات التي غزت البنايات، إلا أنها لم تكن لتمنحه الدفء الذي كان يحسه في بلده...
    هو من وطن تحرق فيه الشمس جلود العاشقين ثراه وتصبغها بسمرة فاتنة، وطن تميل فيه السنابل مع النسمات، وترقص رقصة الوداع على أمل اللقاء لكل الأحبة الذين غادروا المكان طوعا أو كرها...
    هو من بلد تقف زيتوناتها الشامخة إكبارا لمن يروون عطشها وعطش الأرض بالعرق والدماء ومياه العين...
    فأنى يحس بالدفء في بلاد لا تمر الشمس عليها في رحلتها اليومية من المشرق نحو المغرب، وحيث برودة الجو تحتمل أكثر من برودة قوم يسكنونها، أو ربما لا يسكنون... فقد يحدث أن تسكن مكانا، بيد أن مكانا آخر يسكنك... ترنيمة الوطن التي يعزفها قلب مشتاق كل مساء...وكل صباح... ثم إن عقد عمله لن ينتهي إلا بعد سنوات ثلاث، يستطيع بعدها العودة إلى حيث يقبع وجدانه...وكله.
    كانت تخفف عنه بعضا مما كان يدعوه شقاء، كان يرى في عمق عينيها السوداوتين، رغم أنه لم يلمحهما إلا عرضا أيام العمل، أملا وقوة ومليون رجاء بالصبر على المحن...
    لم يكن ليتخيل المكتب الذي يشتغل فيه من دونها، يترقب دخولها كل صباح، وسرعان ما تفتح الباب وتدلف إلى الداخل بجلبابها ومنديلها الساحل ملقية بالسلام في حياء يصبغ وجنتيها بلون الشفق، فتغدو أجمل وأجمل...ملامحها الشرقية الصارخة إباء تفشي عن موطنها، فهي من بلد تتشابه ومن حيث أتى، تسكنهما نفس الأحلام والآمال، ويعيشان على ذات الذكرى الدافئة، لذلك كان يحس معها بالانتماء... إحساس فقده منذ وطئت قدمه هذا المستنقع الجليدي الكبير...
    المهم أنها مذ قدمت إلى المكتب، تغير كل شيء، وعادت الألوان لتزحف على الأشكال من حوله، وتقضي على رمادية الأكوان... عادت الحياة هاهنا.
    مرت عليهما شهور لا يتبادلان فيها إلا حديثا عاديا، عرف من خلاله عنها كل ما يلزمه لهذه الخطوة التي يعد العدة لها منذ زمن ليس باليسير، طلب لقاءها مساء وتنحنح في توتر قال:
    - أختاه أنت تعلمين أن الحياة صعبة هنا وأنه ليس من السهل على الإنسان أن يعيش وحيدا..
    - معك حق في ما تقول.
    فراستها لم تخطئ أبدا، فقد كانت تميل إليه في صمت هي الأخرى، لم تكن تمني النفس بمن هو أفضل منه في هذا المنفى البارد، شاب عربي تقطر تقاسيمه عزة ونخوة، يهب لتلبية داعي الصلاة وحيي حتى الخجل، تعرف في وجهه الصبر والثبات... ثم إنه ابن أرض عشقتها ولازالت ترتوي من نبع حكايات البطولة التي تكتب بالدماء على ثراها، وتمني النفس بالوصول إليها في أحد الأيام... كانت تعلم أنه ابن الضفة، وتعلم تماما ما يعنيه هذا الأمر...
    تذكر أنها سألته في أحد الأيام :
    - أو لست تفكر في العودة؟
    - طبعا سأعود، ما فائدتي إن عشت مترفا في الخارج، سأعود إلى وطني متى استطعت لأعيش بين ظهراني أهلي وعل ربي يرزقني شرف الشهادة على أعتاب أرضه المقدسة...
    أفرحتها الإجابة بقدر ما قطعت عنها وريد ذاك الأمل. فلو كانت مكانه لما ترددت في ذلك أبدا.
    استفاقت من هواجسها لتسمعه يستطرد في الحديث:
    - يسعدني بل يشرفني أن أتقدم لخطبتك، فلست سأجد خيرا منك مؤنسا في ليالي الغربة التي نتقاسمها...
    حانت منها التفاتة مباغتة، لطالما كانت هذه إحدى أمنياتها، لكنها لا تنسى أبدا ذاك الحلم الكبير بالعودة، حارت بين قلبها وعقلها...
    -ولكنك لا محالة عائد إلى بلدك...
    -طبعا، أو لا ترغبين في العودة معي، أعلم أنك تحبين فلسط...
    قاطعته في حزم:
    -استفق من أحلامك، أنى لي الدخول إليها، لعلك لا تعلم أني أحمل جوازا عربيا...
    لم يحسب لهذه الجزئية حسابا أبدا... كان قد غفل عن هذا الأمر..
    - وإن يكن فسنعيش...
    وضاعت كلماته بين غمغمات أخفى فيها ضيقه...
    - أعلم أن عرضك لا يرفض، ولكني لن أقبل أن أقاسم فلسطين حبك، لا أريد منك أن تختار بيننا، لا مجال للاختيار إطلاقا... فإما أنا وإجازات في فلسطين، وإما مقام فيها...
    - لكن... لا بد من وجود حل ما.
    - لست أعلم يا سيدي، لست أعلم...
    قالتها ودمعات تسللت خفية من عينيها، في حين ارتسمت ابتسامة رضا على شفتيها حين ضمتهما في حزم...

    عااااااشق الحماس
    عضو فعال
    عضو فعال

    ذكر
    عدد الرسائل : 55
    العمر : 24
    الأقامة : السعوديه
    تاريخ التسجيل : 28/02/2008

    رد: مســــاء دافئ.... قصة من الشتات

    مُساهمة من طرف عااااااشق الحماس في السبت مارس 08, 2008 6:35 pm

    مشكور اخي الكريم بارك الله فيك على هذه الكلمات
    ويعطيك الف عافيه

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 10:06 am