شـبكة جنـين للـحوار

حياكم الله وبياكم واهلا وسهلا بكم في شبكتكم شبكة جنين للحوار ..
شـبكة جنـين للـحوار


    وجـه فـي المـخـيـم

    شاطر

    مـحمد أبو عـرة
    1
    1

    ذكر
    عدد الرسائل : 1256
    العمر : 30
    الأقامة : في المنفى...
    العمل : Technological techniques
    تاريخ التسجيل : 27/04/2007

    وجـه فـي المـخـيـم

    مُساهمة من طرف مـحمد أبو عـرة في الثلاثاء مايو 01, 2007 10:41 pm

    قصة قصيرة



    ترجّل من السيارة بعد أن طلب من سائقها أن ينزله عند مدخل المخيم بدلاً من أن يوصله إلى منزله الواقع في أقصى المخيم.. لم يعبأ لملامح الحيرة التي ارتسمت على وجه السائق و الذي اكتفى بأن ابتسم و هو يشغل محرك سيارته من جديد و قال له: حمداً لله على سلامتك..!!

    تسمّرت قدماه قليلاً عند باب المخيم، كأنما كان يعدّ نفسه لعبور عالم جديد يكتنفه المجهول.. استفاقت ذاكرته على مشهد كانت قد توقفت عنده منذ عشر سنوات عندما غادر بيته في تلك الليلة العاصفة..
    شوارع المخيم المغسولة بالمطر و جدرانه الموشاة بالشعارات كانت آخر ما علق بذاكرته قبل أن يضع الجندي العصبة السوداء على عينيه..
    كأن زخات المطر التي انسكبت على رأسه و وجهه قد أزالت عن ذاكرته ركام الغبار الذي كدسته أعوام الاعتقال فاستحضرت لحظاته البعيدة بكل تفاصيلها الصغيرة..
    أجال نظره في الشوارع و المباني من حوله.. معظم الأشياء لا تزال في مكانها، لكن معالمها تغيرت كثيراً، حاول أن يبحث عن كل ما يمكن أن يعيد إليه دفء الذكريات القديمة..

    في هذا الشارع كان يضع المتاريس مع رفاقه و يشعلون الإطارات، غير أن الجدران المهدمة التي كانوا يكمنون خلفها لدوريات الاحتلال لم تعد موجودة، و خلف هذه المدرسة كان يصنع الزجاجات الحارقة بعد أن يبذل جهداً كبيراً في إقناع العامل في محطة المحروقات بأن يبيعه البنزين لقاء أي أجر يريده..!!
    و في ذلك المسجد كان يجتمع مع أشبال المخيم بعد صلاة الفجر ليوزع عليهم أدوارهم في مواجهات ذلك اليوم..
    و هنا .. في هذه الزاوية استشهد صديق عمره أحمد.. وقف عندها طويلاً لا يحرك ساكنا، و ترك لدموعه أن تمتزج برذاذ المطر المتناثر على وجهه.. خيل إليه للحظات أن خيطاً من دم أحمر يمر من أمامه و يصبغ الأرض كلها بلونه.. بدا له ذلك المشهد القديم حاضراً بألمه ومرارته ذاتها.. حاول أن يحبس دموعه دون جدوى، ثم أطرق و مضى واجما..
    أشياء كثيرة بدت له غير مألوفة، أهكذا تفعل عشر سنوات في بقعة صغيرة كهذه؟!، أدهشه أنه لم يعرف أحداً من الذين صادفهم في طريقه، بل شعر أن أياً منهم لم يلتفت نحوه..!! وجوه كثيرة لا يعرفها، و ملامح غريبة يحاول أن يجد فيها شيئاً من ماضيه الغارب..

    طرق ذاكرته فجأة صوت صديقه عامر الذي آثر الاغتراب على مرارة البقاء:
    - لن تجني شيئاً إن بقيت هنا يا خالد؛ ستموت أو تمكث في السجن أعواماً طويلة لتخرج بعدها جسداً منهكاً لا يعبأ به أحد...!!
    تذكر تلك الصفعة التي وجهها لعامر يومها، و الأوصاف التي نعته بها ردأ على كلماته تلك.. ابتسم قليلاً، حاول أن يطرد هاجس اليأس الذي شعر بشبحه منذ أن دخل المخيم ومنذ أن تعمق في داخله شعور مرير بالغربة..

    توقف عند عيادة المخيم.. لا تزال في مكانها السابق، لكن أياً من الذين يعرفهم فيها ما عاد موجودا.. دخل إليها بخطى وئيدة، وقف في غرفة الانتظار.. أدار عينيه باحثاً عن ذلك المقعد الجلدي الذي جلس عليه يوم أصيب برصاصة في ساقه، لكنه ما لبث أن تنبه لصوت الممرضة تسأله إن كان يريد شيئا، فهز رأسه نافياً، وتذكر نسرين.. الممرضة التي استشهدت و هي تحاول إنقاذ أحد الجرحى بعد أن حاصرها الرصاص من كل مكان..

    خرج من باب العيادة.. مد بصره عالياً نحو السماء.. شعر أن الغيوم التي تلبد سماء المخيم كأنما تجثم على صدره، و أن ذلك السكون الرتيب الذي يجلل الوجوه و الشوارع يكاد يخنق أنفاسه.. أمعن في النظر حوله باحثاً عن شيء من بقايا تلك الأيام المشتعلة التي شكلت حياته و عالمه في ذلك المكان.. لم يجد غير الشعارات و صور الشهداء المعلقة على الجدران.. حتى الشعارات بدت له مختلفة و خالية من عبق الماضي البعيد الذي يتوق إليه..

    عند مدخل الطريق الموصلة إلى منزله، وعلى جدران إحدى البنايات واجهته لوحة كبيرة عليها صور أسرى المخيم، و تحتها كُتب بخط عريض جميل: (أسرانا لن ننساكم) ..!!
    بحث عن وجهه بين تلك الصور، وجده يحمل ملامح أكثر شباباً و نضارة، و عينين أكثر بريقاً و تألقا..
    و قرب ذلك المكان كانت هناك مجموعة من الصبية يمارسون هواية اللعب بالماء المتجمع في برك صغيرة.. خطا نحوهم بضع خطوات، و أومأ إلى أحد الصبية ليأتي أليه، ثم قال له مشيراً إلى صورته على الجدار:
    - أتعرف لمن هذه الصورة ؟
    فأجاب الصبي على الفور:
    - نعم، إنها لخالد؛ ابن جارنا الحج صالح..
    - و ماذا تعرف عنه؟
    - يقولون إنه كان من أبطال المخيم في الانتفاضة.. و يقولون إنه من كان يصنع الزجاجات الحارقة، و إنه كان يصيب دوريات الجيش دائماً و يحرقها.. و يقولون...
    فقاطعه خالد بمودة:
    - حسناً، يكفي.. شكراً لك، يمكنك أن تذهب..

    تنهد خالد عميقاً، و شعر بالهواء النديّ يتخلل مسام جسده كلها و قد علت وجهه ابتسامة فريدة كستها الشمس التي تسللت خلال الغيوم للحظات بهاء خاصا..
    استدار ليكمل الطريق إلى بيته، تسربت إلى روحه رائحة الشتاء التي افتقدها طوال سنوات الاعتقال، فبدت له جدران المخيم و شوارعه و قد تلألأت عليها قطرات الماء تحت أشعة الشمس لوحات ناطقة بالحياة و الإصرار..
    توقف أمام بوابة منزله، و استجمع قواه ليمتع عينيه بمشهد تلك الدهشة الحميمة التي سيطالعه بها وجه أمه حين تفتح له الباب..


      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 06, 2016 10:02 pm