شـبكة جنـين للـحوار

حياكم الله وبياكم واهلا وسهلا بكم في شبكتكم شبكة جنين للحوار ..
شـبكة جنـين للـحوار


    النص المسرحي ما بين الهوية والتغريب

    شاطر
    avatar
    همسات حزينة
    عضو
    عضو

    انثى
    عدد الرسائل : 12
    الأقامة : italia
    تاريخ التسجيل : 14/09/2007

    النص المسرحي ما بين الهوية والتغريب

    مُساهمة من طرف همسات حزينة في الأربعاء أكتوبر 10, 2007 6:34 am

    - تمهيد
    إن المسرح بأدواته المتعددة هو إحدى مرايا المجتمع ، التي تعكس همومه وتترجم نبضات الشعب ، فإذا فقد المسرح تلك الخاصية ، وصار بمعزل عن قاعدة الجمهور العامة ، وأعلن وجوده تحت شعار " المسرح تسلية وترفيه " ، هنالك يطفو على السطح هذا السؤال : الهوية في النص المسرحي . وهى قضية متفرعة تمتد جذورها إلى حيث نشأة المسرح العربي ، والهوية هنا ليست لغة فقط ، وإنما هي صدى المجتمع وتفاعلاته ؛ من حيث أن النص المسرحي أطروحة الكاتب عبر انفعاله ونبض المجتمع . وليس هذا معناه أن الإغراق في المحلية هو ما يعطى النص هويته ، ولكن بمعنى طرح الظروف من خلال الشخصيات وليس العكس . فمن هذا المنطلق يكتسب النص العالمية دون أن يفقد هويته . ومثال لذلك أعمال ستراندبرج و إبسن ، فعلى الرغم من أن شخصيات الكاتبين اسكندنافية ، إلا أنها تخطت المحلية إلى العالمية ، إذ أن الشخصيات تشكل الظروف وتتفاعل معها ، حيث أن جينات الطبائع في الشخصية المسرحية ؛ هي التي تحدد تطوراتها حين انفعالها والظروف .
    وكي نلم بالأبعاد التامة لتلك القضية ، لابد لنا وأن نتطرق إلى مراحل تطور المسرح العربي بدءا من النشوء حتى العصر الحالي ، فإن جذور تلك المشكلة تكمن قبل كل شيء في مرحلة النشوء .
    وفيما يلي سنذكر العوامل التي ألمت بها ، ليس على سبيل التحليل التاريخي أو الاجتماعي ، فليس هذا هو مجال البحث ، وإنما لإلقاء الضوء والتعرف على جمهور المسرح بتلك الحقبة ، وخاصة بمصر وسوريا لكونهما مهد المسرح العربي . فإذا نظرنا للعوامل ، وهى ما بين سياسية ، اقتصادية اجتماعية ، فعلى الرغم من أن العامل الاجتماعي يأتي في مؤخرة القائمة ، من حيث كونه عامل مؤثر في حسم مرحلة النشوء ، إلا أنه أشد العوامل فاعلية في قضية هوية المسرح العربي ، وبما أننا بصدد قضية الهوية فحري بنا أن نبدأ بالعامل الاجتماعي ، بغض النظر عن كلا العاملين السياسي والاقتصادي ، إلا فيما يتعلق بمادة البحث ، إذ أن تأثيرهما في المقام الأول ينحصر في تحديد نوعية الطبقة الممارسة للمسرح . ومن ثم سنوجه اهتمامنا لسرد الملامح الفنية والاجتماعية للإنسان العربي في منتصف القرن التاسع عشر، والذي من أجله تم استيراد هذا الفن الأوروبي ! على الرغم من أن كلا الشعبين- حينذاك- المصري والسوري في أشد الحاجة للخبز وليس للمسرح ، لكن- وكما نعلم جميعا- أنه من سمات الشعوب المتحضرة وجود مسرح وأوبرا . وكمنطلق للبحث-سنتبع المثل القائل " إذا أردت أن تتعرف على شعب ، فانظر في فنونه " ، إذ أن فنون الشعوب هي مرآة حضارتها وتراثها . وبما أن فنون العرب قبل الإسلام ؛ وفى المقام الأول فنون لغوية ، وبما أن اللغة قد وجدت أقصى مراحل البلاغة في القرآن ، فلا جرم إذن أن نقول أن الفنون العربية هي فنون إسلامية الطبع والطابع ، حيث أن التراث العربي الإسلامي قد شكل وجدان وارثيه في أي زمان وفي أي مكان كانوا ، فمن هذا التراث انبثقت أفانين الفن العربي ، من خطابة ، شعر ، خطوط ، قصة ، نغم ...... إلخ ، بينما فن التشخيص بمعناه الفعلي لم يكن يوما من الفنون العربية ، أما في المطلق حيث أنه يشمل الأداء ، فإذا استثنينا الـ episches - Theater كما عند بريخت ، وأدرجنا هذا العامل تحت فن الخطابة ؛ والذي يتطلب التفاعل بين الخطيب والمتلقي ، فلم يبق أمامنا سوى الغناء ؛ وهو فن أداء الكلمة مصاحبة بالنغم ، وغالبا مفهوم الغناء ׃ صوت جميل مدرب يشدو بكلمات موزونة ، وليس أداءً دراميا وهذا يفسر فشل فن الأوبرا في خلق قاعدة من الجمهور بالوطن العربي .
    ومما تقدم نرى أن فن التشخيص ؛ وهو قوام المسرح ، فن غريب على الجمهور العربي ، لذلك كان من المنطقي بل من الضروري أن تسبق مرحلة الاستيراد فترة تمهيد ؛ وهذا لا يعنى فقط إعداد المشاهد لهذا الفن ، وإنما بمعنى خلق جسر تقارب بين المسرح والفنون العربية ، حتى لا يولد هذا الفن غريبا ، فإن المسرح أب الفنون ؛ وبإمكانه استيعاب أشكال الفن العربي . ولكن على العكس من ذلك قد تم استيراد المسرح - سواء في مصر أو في سوريا- بمادته الغربية المترجمة ، ومن خلال ذلك اقتصر على طبقة محدودة من الشعب ، ألا وهى الطبقة المعتادة على الفكر الأوروبي ، حيث أن ميلاد المسرح في مصر قد كان على يد يعقوب صنوع (1839ــ1912) يهودي مصري ، قد درس في إيطاليا على نفقة أحمد يكن باشا ، ثم عاد إلى مصر وعمل كمعلم لأبناء الطبقة الراقية . وفى عام 1870 أعد مسرحية من تمثيل فرقته والتي يتكون أعضاؤها من تلاميذه عدا النساء ، من الأوروبيات . ثم عرض تلك المسرحية على الخديوي إسماعيل وعدد من النبلاء والأغنياء ، حيث قد نالت إعجابهم ، ومن ثم أصبح الخديوي ممول لفرقة صنوع حتى عام 1872 حيث غضب الخديوي عليه ونفاه إلى فرنسا .
    ومنذ نفى صنوع لم يحدث الكثير على ساحة المسرح المصري سوى بعض الترجمات للأعمال الفرنسية كطرطوف لموليير التي ترجمها عثمان جلال ( 1873) ، إلى أن انتقلت فرقة سليم النقاش إلى مصر- والتي تتكون من 12 ممثل و4 ممثلات- آملة في دعم الخديوي للفرقة كما دعم صنوع من قبل . قدمت فرقة سليم النقاش عدة عروض بالقاهرة والإسكندرية ، أولها عايدة عن أوبرا عايدة لفيردي ، في محاولة لإرضاء الخديوي إسماعيل وجذب اهتمامه ، حيث أن الخديوي كان يأمل أن تكون أوبرا عايدة عرض الافتتاح لدار الأوبرا المصرية ، ولكن لم يكن فيردى قد انتهى من كتابتها بعد ، فعرض بدلا عنها في الافتتاح ريجوليتو . وعايدة التي قدمها سليم النقاش لم تكن أوبرا بل اتخذت جزئيا شكل الأوبريت ، الحوار يتنوع ما بين شعر ونثر دونما مبرر ، والشعر بعضه مكسور وغير مقفى ، كذا شخصيات النص دون أبعاد درامية .
    ومن تلك اللحظات ؛ لحظات ميلاد المسرح العربي يتبين لنا أن المسرح قد ولد بثالوثه الخالد- الفنان، الجمهور، الممول – طبقيا . ولتأكيد ذلك يكفى أن ننظر في المعجم تحت مادة " سرح " فنجد أن مسرح ما هو إلا " مرعى " ، ولا ندرى إلى الآن من الذي اختلق تلك الكلمة كمقابل لـ - théâtre الفرنسية والتي كانت تستخدمها تلك الطبقة المذكورة ، و théâter هي عن اللاتينية theātrum عن اليونانية théātron من الأصل théā بمعنى " مشاهدة " ، وناهيك عن أنه لم توجد بالفعل محاولة جدية لتأدية الكلمة الفرنسية بالمعنى الصحيح ، فإن الطامة الكبرى تكمن في إعداد وترجمة النصوص الإنجليزية والفرنسية التي قدمت على خشبة المسرح حينذاك ، من حيث الموضوع الذي لا يتناسب والجمهور العربي ومن حيث الشكل الفني ، إذ أن معظم المسرحيات التي قدمها صنوع ، والذي يصفه البعض كأب المسرح العربي - بينما الأب الحقيقي والذي كتب أول نص مسرحي عربي هو مارون ميخائيل النقاش ( 1817- 55 ) وهو نص " البخيل " - كانت من طراز الـ -vaudeville وهي فرنسية تعنى في الأصل " أغانى شعبية ــ رقص شعبي " وهى قد اشتقت من Val de Vire بنورماندى ، حيث أنه في أوائل القرن الخامس عشر قد قام الشاعر الفرنسي الشعبي Olivier Basselin بكتابة مثل تلك الأغاني ، وفى القرن 16 و 17 كانت تغنى مثل تلك الأغاني الشعبية على نغمات بسيطة ، وفيما بعد تطور هذا الشكل الغنائي إلى كوميديا غنائية خفيفة ، ثم تراجعت الأغنية في هذا الشكل المسرحي حتى كادت تتلاشى غير أغنية واحدة في نهاية العرض ، والـ - vaudeville المتعارف عليه الآن هو المسرح الشعبي الكوميدي ، إلا أن الإنجليز والأمريكان يعرفونه ك-variété .
    ومن هنا يتضح لنا جيدا أن المسرح العربي في نشأته قد قدم قبل كل شيء كوميديات شعبية فرنسية أو إعدادا للأوبرات الإيطالية ، على الرغم من أن عامة الجمهور يجهل ما هو الـ - croissant وما هي الـ - pasta.
    وللحديث بقية .

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين مارس 27, 2017 3:48 am