شـبكة جنـين للـحوار

حياكم الله وبياكم واهلا وسهلا بكم في شبكتكم شبكة جنين للحوار ..
شـبكة جنـين للـحوار


    بانتظــار عنـوان- قصـــة

    شاطر

    فلسطينيه
    -
    -

    انثى
    عدد الرسائل : 246
    تاريخ التسجيل : 24/05/2007

    بانتظــار عنـوان- قصـــة

    مُساهمة من طرف فلسطينيه في السبت سبتمبر 22, 2007 9:38 pm

    ...لم يخطر بباله للحظة سبقت هذه اللحظة أنه سيستقبل مرج الزهور بعد تلك الأعوام الماضية من الغياب بتلك القطرات المالحة الحارقة.. وتلك البحيرة النرجسية التي احتوت أفراحه الماضية.. لم يكن يتوقع أنه سيحمل لها يوما ذلك الكمَّ من النظرات التائهة.. والملامح المهمومة التي نطقت وباحت بألم لم يكن في الحسبان!..

    لحظــاتٌ كانت تسبق قدومه حيث السير خطوة خطوة مع عقارب الساعة - من شغفه وشوقه لانقضـاء تلك الساعات- تكاد لا تتحرك.. وكأنها غدت قطعا جليـدية يصعب تحريكها خوفا من أن تتكسـَّر! ويضيع زمنُ الانتظـار المرهَـق.. وأحلامٌ كادت تكون واقعا من كثر ما تخيـلها..
    كان كلما وضع شيئا من حاجيـاته يتأمــل وقت كانت أمه تلثمها بالدمـوع وتضعها في الحقيبة بعد أن اكتسبت حاجياتـُه وملابسُه.. كتبًه وكراساتًه.. جزءا من رائحـة الأمـومة وحنانهـا .. يزداد عبيرها قوة مع طول البيـن والبعد بينهمـــا، يضم حاجياته إلى صدره قبل إعادتها إلى نفس الحقيبة عائدا لزمن مضى.. كان أروع ما فيه أنه جزء من ذكرياته!..يتذكر دعاءَ والده حين سمعه مصادفة عند السَّحَـر ودموعه تنهمر على خديه المتجعدين.. وإنها لتكاد تختفي في دهاليـز الماضي المتجسد صورا في وجهه الملائكي.. كان يتأملها وقت رآها.. ويتأملها حين تهم الذكريات بتمرير شريطها الأكثر حرقة لاستفزازه، لشوق كاد يفتك به قبل أن يتريث ليسكُن جسدُه قبل الإقدام على أي تصرف متهـور بدافع شوق يهز خلاياه كل ليلـة مسببا حالة من الأرق لا تنتهـي..
    ينتهي من وضع قطع الماضي.. يقف أمـامها متأملا.. يكاد لا يصدق أنه أخيـرا سيعـود.. يجول ببصره في أرجـاء الغرفة الصغيرة.. ليلمـح تلك الشهـادة المحفوظة داخل ذلك الإطار الخشبي القديـم.. ليختلط القديم بالجديـد والحاضـر بالماضـي.. تلك الشهادة كانت الحٌلُـم الذي ما غادره إلا ليحقِّقَه.. وكانت الشوكة التي تنغرس في الصدر أكثر مع كل يوم يمضـي.. يمسـك بها بكفيه المرتجفتيـن ودموع العين تتساقط دون أن يملك القدرة على إيقـافها..
    ست سنوات مضت.. وهو لا يكاد يمس من حنان أمه سوى صوت.. كلما التقط منه همسة يختفي ولا يعـود.. الآن والآن بالذات كان واثقا من أنه لن يحرَم من ذلك اللحـن المتدفق حنانا مع كل كلمة تنطق بها شفتاها الباسمتين.. لتتساقط مطـرا ينعش فيه روحه المنتعشة شبابـا بقربهـا،،
    أمام مشهد شهـادة التخرج مر شريط التعب والسهر والإرهـاق.. مع بسمات مغلفـة بحنين وأمـل بالتفوق وبلـوغ درجـة جديدة نحو المجـد.. يتذكـر أكثر اللحظـات حـاجة للراحة رغم استحـالة الحصـول عليهـا.. ولحظـات من الشوق غلفت جفنـا عينيه اللذين أضناهمـا الفراق والبعد..! تذكَّـر حيـن كان ينتظـر فرصته في اتصال قبل أسابيـع ليـزفّ لعائلتـه خبر تفوقه وتخرجـه.. وحين سمع زغاريـد أمه بصوت متقطـع زاد إرهـاقه وأضعفـَه.. فما كاد وقتها يستطيع الوقوف..!
    يرقب الشهـادة بصمت موجـع.. تترقرق العَبرات.. فيمسحها محاولا التأكيـد لنفسه أنه لا محالة عائد..! يتخيـل ردة فعل والـده حين يراهـا.. وعيناه التي ستبـوح بما يحب وينتظـر.. يتخيَّل حضنه الدافئ.. ولسانه المتهدج بالدعـاء المستمـر.. وزغـاريد أمـه الداعيـة لجاراتها مفتخرة بوليدهـا الوحيـد.. أن تعاليـن وانظرن.. غيث.. لا لا الدكتور غيث عـاد بالشهـادة.. ولشدة فرحها لا تستطيع الوقوف على قدميـها المتشققتين.. !!
    يضحك بصمت.. ثم يضع الشهـادة في حقيبتـه.. ويغلقهـا منتظرا صديق عمره (عمـاد) ليعـودا معاً إلى أحضـان الوطـن.. إلى أهلـه وناسه وطيب المعشر بين حنايـاه.. يجلس على الأريكة كما جلس عليها فور وصوله أول مرة.. على طرفها بضيق.. وكأنهـا ما كانت تتسع لما يحوي من شجـون،، وإذ بباب الغرفة يطرَق ويطل منه وجه عمـاد القـادم ليزف البشرى لغيـث بأن الأمور بإذن الله (سالكـة).. اطمأن غيث وزاد اضطرابه وتعجّلـه..
    حمـل حقيبته بما تحويه من كنز ثميـن.. وألقـى نظرة أخيرة على الغرفة التي سكنته وما سكنـها! فقد كانت تضيق به.. كان يخترقها ليصل إلى البيـارات وحقول القمح وسنابله التي كانت بحبَّاتها تتسع له ولآمالـه وشكـواه.. وكانت تحتويـه بهمومه وعواطفه وشجونه.. يتنهـَّد باسمـاً.. قائلاَ لعمـاد أن هيـا بنـا.. !!

    فلسطينيه
    -
    -

    انثى
    عدد الرسائل : 246
    تاريخ التسجيل : 24/05/2007

    رد: بانتظــار عنـوان- قصـــة

    مُساهمة من طرف فلسطينيه في السبت سبتمبر 22, 2007 9:39 pm

    مابيـن الصعـوبة والسهـولة اخترق حافة البـاب.. أغلقـه إلى اللاعودة.. وبنوع من الوفـاء ذهب وألقى نظرة من على سطح العمـارة على منظـر المدينـة الذي اعتاده.. بضجيجها الصباحي وسكونها العجيب ليلا.. كان عماد يراقب خطواته بصمت.. اقترب منه ليلمح المنظر الأخيـر لهذه المدينـة.. وبصوت غير واضح.. وكلمات أقرب لأن تكون غمغمات.. كان غيث يتحدث.. وعمـاد كان يفهم كل ما يقول غيث قبل أن يتفوه به..
    - عندما استأجرنا هذي الغرفة كان الارتبـاك يغلف تصرفاتنـا.. وكأننا مقدِمـان على معركة.. لدرجـة أننا عدنا وتأكدنا من أسمائنا في سجلّ الطلبـة المقبولين.. فأي رغبة تعادل العلم تكفي ليعيش المرء غربة عن كل العالـم.. وعن نفسه أولا..؟!
    - تذكٌـر حين جلسنا بعد اجتيازنا للجسر نؤكـد على الهدف الأساسي لقدومنا هنا.. كي لا يشوبه شائب.. ولا نضطر للبقـاء أكثر من المدة المحددة من أجل إتمام دراستنا.. وقتها تعالت صيحات الرجال علينا لجلوسنا في مكان يضيق الحركة..؟
    -(بضحكة أقرب لأن تكون مكتومة) لم نكن لنجد مكانا نجلس فيه إلا ذاك.. ومع أن الجميع كان مشغولاً بجمع حاجيـاته والتأكد منها بطريقة يغشاها فرح أو راحة أو حتى حزن غريب.. فاجتياز الجسر لم يكن بالأمر السهل..إلا أننا اجتزناه بسهولة غير طبيعية وقتها!!.. لكن كان يجب أن نجلس تلك الجلسة..!!
    - وتحقق الهدف يا غيث.. مرت الأعوام الستة بعذاب وحرقة وقلق.. فكم كان من الصعب أن ننـام بعيدا عن أنفاسهم.. كم كنت أخاف من عدم انقضائها.. وأهاب المستقبل.. فالحمد للـه..!
    - إيـــه.. مرت فعلا.. لكن أوَتُرانا حقـا حققنا ما كنا نبغي.. هل سيلتقي ما حصدنا مع آمال الزارعيــن.؟!! هل سنكون مفخرة.. أم سنكون عندهم كمن خرج من أجل الراحة والهرب من الأجـواء الصعبة التي تسود فلسطين؟! أنا لا أزال غير مصدق أنني حصلت على الشهـادة..
    - لا يا غيث.. لم نغادر فلسطين لنعـود مكسورين.. نحن خرجنا لنساعد على التئـام الجرح.. فليس الجهاد أن نكون داخل الأرض نقاتل وندافع عن الأهـالي فحسب.. شهادتنا ستسعد عروسنـا.. ألم تكن تتخيلهـا عروساً وكنت تبحث عن مهر يليق بها.. ها هي ذا شهادتك..
    -(مقاطعـا) لا تكفـي! تحتـاج الأكثر والأكبر.. عمــاد! حيـاتنا كلها مهرها.. بكل تفاصيلـها وجزئياتها..
    - فهمتـك..!
    كـان الهم أكبر من أن يفصـّله بالكلمات.. وحتى عينيه كانت توحي بالكثير وتبـوح بالقليـل.. كانت مقلتاها تتحرك باضطراب وحالة من اللاوعي.. كان ينظر الأفق ويحلــم.. وعمـاد لم يكن أقل منه همّـا..فلم يكن بقدوره أن يبقي الحوار مفتوحـا.. فالعَبرات تتِـمّه بطريقتها ولغتـها.. لكـنّ ضحكة مفاجئة قلبت الأجـواء.. إذ ما كادا يسمعانها حتى التفتا إلى صاحبـها.. وإذ به مالك الغرفة التي استأجراها.. ابتسما له.. فقـال عمـاد:
    - السلام عليك عمي أبا صلاح.. تأخرنا عليك؟
    - لا.. لست بمن يبالي.. ثم أنتما وأنتما بالذات تعرفان معزتكما عندي.. لكن قلت أكسب الدقائق الأخيـرة في محادثتكما.. فلا أعتقد أننا سنلتقي بعد اللحظة..!!
    - هذه حـال الدنيا يا عم.. ما كنا لنأتي إلى الدنيا إلى لنغادرها.. لكننا خطونا خطوات للموت لنعـود للحيـاة..!
    - أتمنى أن تحققا ما تبغيـان وتتيسر أمور عودتكما إلى الديـار.. إيـه! ما كدنا نتعرف جيدا عليكما ونتعلّق بكما حتى تغيبـا مغيب شمس تأبى الرجـوع.. ولو كان بيدي لأبقيتكما عندي أيـاما أو حتى سويعـات أخرى.. لكن من ذاك الذي يستطيع الوقوف أمام إرادتكما؟!!
    - لا يمكن أن نبقى ونترك أهلينـا ما بين قلق وشوق وخوف.. قلوبهم لا تتحمّـل!
    - لا أدري أهي قلوبهم أم قلبيكما.. وفقكمـا ربي.. ما رأيكما أن نتنـاول الفطـور في البيت حتى يأتي(فارس) لاصطحابكما؟! أرغب في اغتنـام فرصة علّي أعوض أولى دقائق العِشرة الضائعـة! أم أنـك ترى شيئاً مغايراً يا غيث؟ نحـن هنـا! أم أنك وصلت إلى بيتك؟!!
    - (ببسمة شاحبـة) لا لا.. أنا معكما.. لكــن..
    - لا داعي.. ما زال هنـاك وقت.. ولا داعي للعجـلة.. تريّث وهدَّئ أعصابك..
    وكأنـه طلب منه المستحيـل.. أي هدوء يمكن أن يجتاز خلاياه؟ إنـها أحضـان أمه وعبرات والده وأخواته اللواتي تركهـن.. كان ينتظـر لحظـة العودة ليسرع الخطى إليهـا لا ليمضي الوقت في وداع ولحظـات تضعف فيه تحمّلـه؟!!
    هو أحبّ هذا المكان.. وأحب العم أبا صلاح لطيبته ولطف السكنى بجواره.. كيف لا وهو لم يكن ينساهما حتى ولو بكسرة خبز؟! كان يبعث زوجته كل يوم بعد أن يسمع خطواتهما عائدين من الجامعة بطبق من طعام الغداء خاصتهم.. ويصعد بين حين وأحيان إلى غرفتهما ليتأكد من راحتهما وإن كانا بحاجة لأي مساعدة.. حتى إنه عندما كانا يعودان بنتيجتهما السنوية حاصدين تفوقاً أفضل من سابقه كان لا يأخذ أجرة الغرفة لمدة ثلاثة أشهر! العم أبو صلاح ما كان ليفعل ذلك دون أن يختبرهما ويتأكد من هويتهما وحسن نيتهما.. فعَكَس حسن الخلق ما كان يتمنى وزيادة.. فكانا بالنسبة له مثل أولاده..


    فلسطينيه
    -
    -

    انثى
    عدد الرسائل : 246
    تاريخ التسجيل : 24/05/2007

    رد: بانتظــار عنـوان- قصـــة

    مُساهمة من طرف فلسطينيه في السبت سبتمبر 22, 2007 9:39 pm

    بخطوات يسكنها الشرود كان يسير نحو شقة العم.. وكأن قدميه انفصلتا عنه فتحركتا دون إرادة منه أو أدنى رغبة.. فُتـح الباب وأطلت منه أم صلاح مرحبـة بضيفيـها.. كانت حالة غيث مثيرة للغرابة والتسـاؤل.. إذ ما كاد يجتـاز الباب حتى توقف فجـأة.. ونظـر خلفـه وكأنه كان يتعجـل خطوات فارس ليغادروا وينتهي الأمر! فتبسّمت أم صلاح وقالت:
    - ألهذه الدرجة؟ على الأقل دعنا نسمع صوتك قبل رحيلك!!
    وكأن صفعة من شيء ما هبطت عليه فما كاد يصحو من صحوته حتى أجاب:
    - السلام عليكم يا خالة!! عذرا ..
    وقبل أن يتفوه أحد بكلمة قام أبو صلاح وشدّ غيث إلى الداخل وأغلق الباب خلفه سائلا عماد:
    - ما أخبار الجسر اليوم.؟
    - يقولون أن الطريق (سالكة) ولن نضطر بإذن الله للمبيت هناك..
    - إذن عليكما أن تهدءا.. لا أظن أن صبر السنين التي مضت يغدو سراباً لمجرد ساعات قليلة قادمة.. توكلوا على الله! قومي يا أم صلاح أعدي طعام الفطور ريثما يأتي فارس..

    بذهاب أم صلاح افترش الجوّ هدوء وسكون وصمت لم يستطع أحدهم كسره لما يسكنهم من شجن.. وللعواطف المتلاطمة في الوجدان هيجـان ما كادوا ليفروا من موجة لتهجم الأخرى.. فتضـج حواسهم بما سكن الجسد من ثورات.. ومن صمت أطبق على الكلام.. فتاهـت العيون في المقل وكأنها تريد مغادرتها لتبـوح.. فقط لتبوح!!

    أثنـاء الحوار الذي ساد ما بين الأجساد.. فرّت دمعة من عيني أبي صلاح وبحركة من يديه محاولة مسحها.. قال:
    - اسمعا ما أود قوله لكما.. فأنا ما أردت تأخيركما إلا لأقول كلمات لم أجد لها وقتا مناسبا سوى هذه اللحظة.. فلا تلوماني.. ولا تحاولا تفسير الكلمات وسبب قولهـا.. أريد فهما ووعيا فقط..
    لم يسبق لهما في أي لقاء مع العم أبي صلاح أن يسمعا تلك النبرة الجديـة بذلك الحزم وتلك العينين.. ترقَّبـا حركة شفتيه علها تنشق عن المكتوم والمنتظَـر.. ابتسم أبو صلاح وقال:
    - الآن وبعد أن تخرجتما وأصبحتما طبيبين معترفٌ فيكما.. ولأن اختياركما للطب ما كان ليكون إلا لهدف مدروس بعناية.. ولأنكما اغتربتما من أجل ذلك الهدف.. ولأنني أحببتكما وأصبحتما مثل صلاح بل وربما أغلى فإني أريد منكما أن لا تنسيا هدفكما بمجرد وصولكما إلى بيتيكما وبلوغكما الراحة التي اشتقتماها..أريد منكما جدية في عملكما كطبيبين.. كونا كما عهدتكما وكما آمل منكما كولدين بارَّين بأهلهما وأحبابهما.. كذا لوطنهما.. أتمنى منكما أن تسعفا جرحى أيدي الاحتلال الهمجية.. وتولدوا من صلب المستشفى شرارة مقاومة تهتف بلا إله إلا الله.. خسارتنا ليست خسارة أبناء فلسطين..خسارتنا ضياع أفئدة تنبض للمقاومة.. صحيح أنني لست فلسطينياً على هويتي.. أو أننا ما عدنا نجد جنسيتنا الضائعة.. إلا أنني واثق أن هذي الهمسات ستلاقي صدى في صدريكما الندي الصافي.. لا أعرف كيف أقول هذا الكلام وأنا المشهود لي بتوخي أقصى درجات الحذر.. لكني أرتاح لكما وربي وحده يعلم كم أحببتكمـا..

    غرابة الموقف كادت توقف كل الحركات.. بما فيها اللاإرادية!.. ينظر كل منهما إلى الآخر غير مصدق.. يراقبان الكلمات المنبثقة من عينيه.. كفيه.. عضلات الوجه.. الجسد كله كان يرقص فرحا لانفجار الصدر وانبثاق الكلمات بلا مبالاة للصمت الجماعي المطبق.. تدفقت الجمل بسلاسة خارجة من قوقعة الخوف والجبن والاختبـاء.. فتسارع تنفسه باضطراب وكذا نبضه.. كتعويض غير مباشر لعضلات لسانه التي تحركت أخيراً قبل ضمورها أو موتها..!

    هما كانا يفهمان كلماته.. كانت عالقة على جدار قلبيهما أصلاً لا يستطيعان الفكاك من نسيانها.. لكن انشقاق الكلمات بغصة الكتمان والصمت من صدر أرهقه السكون.. من شخص ما كانا ينتظران منه ولو أقل من ذلك الكلام عن وطنهما.. كان كالصعقة.. كالانتفاضة.. تأتي فجأة ويبقى أثرها لمدة ليست بالهينة..!

    فلسطينيه
    -
    -

    انثى
    عدد الرسائل : 246
    تاريخ التسجيل : 24/05/2007

    رد: بانتظــار عنـوان- قصـــة

    مُساهمة من طرف فلسطينيه في السبت سبتمبر 22, 2007 9:40 pm

    هربت دمعة من عيني أبي صلاح شاقةً دربها بعناية ونظام.. وكأنها تريد تعذيبه بحرارتها وحرقتها.. فتجتاز أكثر دهاليز وجهه حساسية.. وبنظرات تائهة تبحث عن ملجأ انتفض جسده.. استدرك عماد الموقف فقام وأمسك بيدي أبي صلاح مركِّزاً بصره لمقلتي عمه قائلا:
    - ربي يعلم كم كنا نستشعر أبوتك الحانية حين فقدناها في الغربة.. ورغم قولنا بأننا مغتربان ويجب أن نعود لنحيا.. إلا أن قلبك كان ملاذنا بصفاء نيتك وخشيتك من ربك جل وعلا.. ولولا ذلك ما كنا لنسكن بجوارك..
    رغبة لم يعرَف مصدرها كانت تجتاح نفس غيث.. ازدحمت الكلمات على لسانه فما استطاعت شفتيه ترتيب الأفكار فانشق الوجد عن عَبرات أثلجت صدره فارتاح.. فمسح أبو صلاح آثار الدموع مستدركاً وقال:
    - أسأل الله أن ينير دربكما ويفتح عليكما أبواب الخير والصلاح.. سامحاني إن قصّرت في حقكما..
    فتبسم غيث وقال مقاطعا..:
    - أعتقد أن الجلسة بدأت تأخذ مجرى يبعد كل البعد عن الواقع.. عمي أرجو أن لا تكرر ما قلت.. فإني والله لم أكن أتمنى حتى ما قابلتَـنا به من حسن الجوار.. وطيب المجلس.. وعبق الأبوة الطاهرة.. وإنه والله ليصعب علي الابتعاد عنك.. لكن لم يجبرنا على المر إلا ما كان الأمَرّ منه!!
    فأجاب أبو صلاح بعصبية واضحة..:
    - أتعلمـان لو استجبتما لرغبتي في البقاء مدة أطول لما وثقت بكما لحظة واحدة.. ولطردتكما من غرفتكما.. فللغربة طعم مر لا يطاق.. فكيف لكما وأنتما لم تكونا لتستطيعا الاقتراب من ذويكم ولو بهمسة عبر الهاتف..؟!! فعلاً الحمد لله أنكما بقيتما بخير صابرَين على مرارة عيش بور...
    أشعلت كلمات العم الأخيرة الشوق المؤلـم في نفس غيث الذي ما استطاع الصبر أكثر.. فانهمرت الدموع بعفوية وحرقة.. فاضحـة عجلتـه وما لم يكن باستطاعة أحد فهمه من غموض.. اقترب أبو صلاح منه واضعا ساعده على كتف غيث قائلاً بشيء ما يشبه الكلمات..:
    - مذ جئتَ وأنت تعاني قرحة في أحاسيسك من حرقة الشوق وألم الغربة.. كتـومٌ مثلك لا بد أن ينفجر في لحظة اشتيـاق.. هادئ مثلك لا بد أن يفاجئه جنون الحيـاة.. في الحياة أمواج هائجة وخيول جامحة لا منطق لفعلها المجنون ذاك.. لا يمكن لها أن تصدِم سوى من لم يواجهها للحظة.. وأنت قابلتَ لكن لم تواجه.. لا تنطوِ ولا تتقوقع.. اخرج من أعماقك وتحدث مع الناس.. نحن في زمن غدا الصمت فيه مذلـَّة وضعف.. أرى في عينيك قريتك.. وأجواءً هجرتها لحلمك.. فلا تخيب ظنّ المنتظِرين وعد لهم أقوى وأصلب.. كن رجلاً كما عهدناك.. ولا تجعل الهمّ يكسرك..
    لم يصمد غيث أكثر.. فلم يملك سوى أن غرس رأسه الهائم في صدر عمه ضامّاً إياه في حاجة ابن لوالده في أقسى اللحظات وأظلمهـا!.. ففاض ملجؤه بحنان دافئ فاق طلبَه وحاجتَه..
    وكمحاولة لتغييـر ملامح آخر لقـاء التي آل لها الموقف.. كفكف عماد دموعه وقال:
    - هل من الممكن أن تكبتا المشاعر الآن.. لسنا في موقف يسمح وليست لنا القدرة على الاحتمال.. الفطور في طور التحضير.. نريد أن تفتَح شهيتنا!.. أرجوكما..
    مسح غيث دموعه.. وبصوت تسكنه بسمة قال:
    - عمي.. عماد ليس بحاجة لمن يفتح شهيته.. معدته تفتح أبوابها دون تأشيرة مرور.. كان على الخالة أن تعلـم ذلك قبل أن تدعونا لتناوله معكم..
    قال تلك الكلمات ودخلت أم صلاح تنظر غيث بحيرة.. وقالت:
    - أخيـراً ابتسمت وتحدثت.. ظننا للحظة أنك لا تتكلّم إلا بأمور الطب التي لا نفهمها.. ولا تحاول الضحك..ولمَ الضحك؟ الابتسامة نفسها لا تمنحنا إياها.. لدرجة أنني كنت سأسأل عماد إن كانت تلك حالة تحدث مرضيّاً.!!
    فأجاب مستنكراً بدلال..:
    - ليس لهذا الحد، أنتِ تبالغيـن.. لست جديا بالدرجة التي وصفتِ.. لربما حدث ذلك مرة دون إدراك..!
    فَرِحةً عدّلت وضع الطاولة لتضع فوقها الصحون، والبسمة لم تغادر قسمات وجهها.. وإذ بباب البيت يطرق بضربات عنيفة غريبة معروفة.. ابتسم عماد وقال:
    - لا بد أن فارس وصـل!!
    جحظت عينا أبي صلاح فجأة لدرجة أنه ظن أنه فارق الحياة للحظة ثم عاد إليها !! الموعد المنتظَر جاء.. بكل الخوف منه والترقب والتعجل جاء.. جاء ليرسم لوحة بلـون الموج وحركاته.. جاء ليحمل العنـوان القاسي.. المفرح والمبكي.. جاء بعيـن الحياة وعمق مجراها.. ومعانيهـا..

    فلسطينيه
    -
    -

    انثى
    عدد الرسائل : 246
    تاريخ التسجيل : 24/05/2007

    رد: بانتظــار عنـوان- قصـــة

    مُساهمة من طرف فلسطينيه في السبت سبتمبر 22, 2007 9:42 pm

    بخطوات تائهة.. قصيرة بطيئة كانت أم صلاح تتوجه نحو الباب..
    فتحته وأطل وجه فارس مبتسماً فرحاً حاملاً معه الخبر الأكيدً بأن موعدهم اليوم.. لمح قلقاً في عيني أم صلاح.. بلع ريقه بصعوبة وقال مستفسراً:
    - ما الأمر يا خالة؟ هل حدث شيء في غيابي.؟!
    استدركت أم صلاح الأمر.. فسكنت وجهها ابتسامة وعشّشت في مقلتيها الدموع.. وقالت:
    - لا لا.. بشِّر ما الأخبار..؟
    فهـم قلقهـا فتبسَّم وقال:
    - اليوم.. بل اللحظة موعد الرحيـل.. الجسر في حالة جيدة.. وتأخرنا حتى هذا الوقت لن يؤثر كثيراً بإذن الله...

    فرح الجميـع بالخبر بما فيهم العم أبو صلاح.. فقام وذهب ليرحّب بفارس.. داعيـاً إياه للدخول وتناول الفطور قبل المغادرة.. فدخل فارس فرِحاً.. سلّم على ابن خاله وعماد مبشّراً إياهما ببسمة لم تغادر ثغره.. وبحركاته العفوية الفرحة التي لم تكد تصدق الخبر.. كان يقفز ويلوح بيديه ليؤكد للجميـع بل ربما لنفسه أنه الليلة سينام في غرفته.. تحيط به أنفاس أهله وأمـه.. ويغفو فوق ذرات تراب الوطن المتناثرة فوق فراشه.. برائحته العطرة التي تدخل أنفه تاركة إياه في حالة من الهيمـان فلا يستطيع الاستيقاظ إلا على همسات أمه ودعائها.. هدأت ثورة حركاته قليلاً حين وضعت أم صلاح الصحون.. كانوا ثلاثتهم يرقبون حركاتها بسكون يحفر في وجدانهم جرحـاً كبيراً.. لكنهم ويالألمهم تناولوا الفطور الأخير.. في اللقـاء الأخير..!

    حين فرغوا من الفطور قال فارس فجأة كما لو كان خائفاً من أن تهزه صعوبة الفراق:
    - على فكرة.. السيارة تنتظر من خمس دقائق يجب أن ننزل ونضع الحقائب الآن.. قبل أن نتأخـر..
    وافق أبو صلاح كلامَ فارس.. وقام لمساعدتهم على إخراج الحقائب ووضعها على ظهر سيارة الجسر.. وحين انتهوا قام عماد وناول عمـه مفتاح الغرفة التي ما عادوا بحاجة لها.. كان الموقف صعباً على أبي صلاح الذي حوّل بصره مرتبكاً ما بين المفتاح وكف عماد.. جاء غيث واضعاً يده على كتف عمه قائلا:
    - نستودعك الله الذي لا تضيع عنده الودائـع.. لا تنسنا من دعائك عمـاه..
    لم يتمالك نفسه.. لكنه أبى إلا أن يكون أبـاً مرشدا لهم.. أبى أن يردهم عن هدفهم السامي.. لم يستطع أن يثور أمام رغبته ويترك أنفاسهم تحييه كل يوم مع كل فجـر.. ما استطاع عمل شيء سوى أن ضم عماد بين أضلعه مودعـا إياه إلى اللارجعة.. إنه الوداع إذن.. هكذا قال فارس الذي غطى وجهه بكفيه غير مصدّق.. هدّأ غيث من مشاعر فارس الجامحة.. وذهب وضم عمه مبتسمـاً.. لم يكن ليعلم من أين انبثقت تلك البسمة.. كانت كاوية لفؤاده باردة كالصقيع.. أثلجت صدر عمه الذي زاد اطمئنانه عليهم.. ودّع أبو صلاح فارس الذي ما استطاع كبت الشجـون..
    دخل الأخير السيارة وتبعه عمـاد.. وما كاد غيث يدخل السيارة حتى نادته أم صلاح مستبقية أياه لثوان حاملة معها كيساً من الفطائر والعصائر وزجاجات المياه حضرتها لهم من مدة ظنا منها أنهم سيحتاجونها لا محالة.. قلّب نظره بعيون ما غادرتها الدموع.. سرح في خالته وكأنه يرى فيها آخر ملامح حفظها من أمه حين غادرها وغادر بيتها وحضنها.. كانت تحمل بيدها بعض أرغفة (طابون) وفطائر من الزعتر البلدي و(قناني) من زيت الزيتون علّها تكفيه في غربته.. تماسك قليلاً وأخذ من خالته هديتها الغاليـة.. فقالت له بصوت بحّ من فرط الأمومة:
    - اعتنِ بنفسك ولا تنسنا.. حاول أن تراسلنا لنسمع غيضـاً من أخباركم.. سلّموا على أمهاتكم وذويكم.. ليته كان بالمقدور ابقاؤكم بالجوار.. لكـن...
    رد أبو صلاح مقاطعـا:
    - يكفي يا أم صلاح.. وفقكم ربي ورعاكم وحفظكم من كل سوء.. امضوا في دربكم..
    دخل غيث السيارة بهدوء متفجـّر.. ألقى نظرة عليهما.. فقال عماد:
    - خالتي.. كنت تنتظرين هذا اليوم أم لا..؟ لا تنكري..!
    - كنت أنتظر تخرجكما لأفرح فيكما.. ربي يفتحها في وجوهكم وينور دربكم ويكتب لكم كل الخيـر..
    - هكذا الدعوات وإلا بلا.. هيا نستودعكم الله،،
    وقال فارس:
    - توكل على الله يا أبا رشيد..
    أما غيث فمن بين شوق وألـم.. غمغم:
    -السلام عليكمـا.. ابعثوا سلامنا لصلاح والشباب.. إلى اللقـاء..!

    فلسطينيه
    -
    -

    انثى
    عدد الرسائل : 246
    تاريخ التسجيل : 24/05/2007

    رد: بانتظــار عنـوان- قصـــة

    مُساهمة من طرف فلسطينيه في السبت سبتمبر 22, 2007 9:42 pm

    لقــاء!.. هكذا قالها منسابةً بين شفتيه بسلاسة من دون وعي.. وكأنه كان يودع أهلَه قبل ست سنوات مضت.. أضناه الشوق فما عاد يقدر صبراً وأناة.. فأي لقاء ذاك الذي سيجمعهم مجدداً.. من بعد غربة في صحاري العمر وتيه في دوامات الحياة.. وإشراق الأمل فجراً من جديد لعودة منتظـَرة.. والتلذذ بلحظات تمنُّوها واستعجلوها فتباطأ مجراها ليميت التريثَ والتأنّي بتسارع ضربات القلب المأسور داخل جدران الغربة والبعـد.. تنهمر الدموع باضطراب متعرجة راسمة بحركتها قسمات لحظاتٍ مضت بوداع قاسٍ جديدٍ متجدد ما انفكَّ من الأول بعودة حتى جرَّ الآخر أنفاسه يحشر نفسه في صدر غيث الذي ما عاد يطيق.. هدئه صوت عمـاد وهو يردد دعاء الركوب.. وكأنه تعمّد ذكره ليوقف في أعماقهم نزف الجراح الدائم.. ردد فارس وغيث مع عماد الدعاء راجين من الله جلَّ في علاه أن يحفظهم ويعيدهم إلى أهلهم سالميـن..!!
    كانت السيارة تمضي بهم وكلٌّ هائم في تخيل وتفكير.. ينظرون عبر النافذة الصغيرة ويراقبون الأشياء حولهم كيف تمضي للخلف ويتقدمون بسيرهم إلى الأمام.. الحدائق البيوت العمارات الأسواق الدكاكين.. كلها غادروها وغادرتهم.. لفصولٍ وأيام قادمة .. لتقويمٍ سيبدأ زمنه حين يضعون أقدامهم فوق أرض الوطن.. أو وطن الأرض!
    كنص في كتاب تفصل بين جمله علامات ترقيم.. وبين كل حدث وآخر حدٌّ فاصل نشتاق اختراقه للوصول لما يليه عند القراءة.. كانت تفصلهم مساحات ومسافات،، حرقةُ أنفاسهم العاشقة العائدة أحرقتها فكادت تغدو سرابــاً.. ويا ليتها كانت سراباً!! وكادت حِدّة الوقت وحياديته أن تذبل فيهم روحهم وشبابهم النديّ.. وتفقدهم الصبر والتأنّي.. فكانت الست سنوات المنصرمة أرحم وأقلّ ثقلاً من الدقائق القادمة لكثر ما استعجلوا انقضائها وأفولها..
    ما بين ذكر وأدعية وذكريات.. وصور معلقة على جدار القلب يأملون لقياها كما ألموا لفراقها مرت على صفحة الذاكرة في أشد اللحظات حنينـاً.. واطمئنان كلما تهدج اللسان بالدعاء بأن الله أبدا لن ينساهم ولم يكتب لهم سوى الخير أيا كان ويكون وسيكون شكله.. اخترقوا حصن الوقت ومزقوه،، بوصولهم إلى نقطة الفصل.. النقطة التي ستنهي مرحلة وتعلن بداية مرحلة جديدة بمنظار جديد ورؤية أوعى وأكثر دقة.. تفصلهم عن آمالهم بضع أمتار بقي أن يجتازوها فقط.. لتكمل القلوب أحاديثها بأجساد تنتفض وحركات تكفي لنقرأ في تعبيراتها المتداخلة المتشابكة شيفرات إن فككناها تغدو قصصا وحكايات لمن يهوى سردها..
    خرج ثلاثتهم من السيارة حاملين حقائبهم التي تحتوي تفاصيل حياتهم الماضية وما يبقي الذاكرة متيقظة لاستقبال المزيد في ضيافتها تاركة الجرح يزداد نزفا وتقيّحـا..
    واصلوا سيرهم ليؤدوا المعاملات وينفذوا قوانين وضعت للغرباء لتنفذ عليهم هم أبناء فلسطين بطريقة روتينية مميتة يكسوها الجفاء وضيق الخلق.. يمرر غيث بصره في الموجودين حوله أثناء انتظاره دوره.. شيوخ وعجائز.. نسوة وأطفالهن الرضّع.. فتيان وفتيات.. بملامحهم الباهتة ونور قلوبهم المكبوت.. تهم إحدى العجائز بالوقوف محاولة إتمام حالة التوازن بالارتكاز على عصاها.. وبحركة بطيئة متعبة واهنة تسير لتقف في الصف بعد أن حجزته مسبقا.. تكاد تشعر أنها مع كل خطوة ينغرس الألم فيها.. وتصغر نفسك أنت.. هكذا أحس غيث حين رآها.. لم يملك سوى أن أحس بحسرة تدق نواقيس المروءة في نفسه والغيرة!!
    يحاول الهرب منها ليرى شيخا أرهقت وجهه التجاعيد ويديه التشققات وقدميه الحركات يجلس ليرتاح قليلا على الأرض واضعا في حِجره صرة يحفظ فيها الأوراق والدفاتر خاصةَ المعاملات الرسمية.. يقوم بتفحصها والتأكد من وجودها كلها بحوزته.. يتمتم غيث لعماد الواقف أمامه:
    - كلهم أرغموا على الذهاب وترك بيوتهم.. معاملاتهم الاجتماعية التي لا يمكن لهم الاستغناء عنها.. أفراح أتراح شوق وعذاب.. أما آن لهم أن يرتاحوا من هذا كله.. بالكاد يستطيعون المشي حركاتهم مرهقة ولا يمكن أنها ستستطيع الاحتمال أكثر! دعوهم يعودون دون هذه المعاملات.. فلتطبقوها علينا.. نحن نحتمل.. لكن هـم..
    ببسمة عز قاطعه عماد:
    - هم يريدون أن يعودوا.. يريدون أن يثبتوا للعالم أن فلسطين أرضهم.. وطنهم.. يستطيعون الذهاب والإياب منها وإليها متى يريدون وللسبب الذي يرغبونه.. قد تراهم مرهقين غاضبين.. قد تلاحظ شحوب وجوههم وارتباك ملامحهم.. لكنك أبدا لن تراهم مستكينين.. يشعرون بالفرح ينمو داخلهم كلما اقتربوا خطوة.. تعبهم الآن لن يضاهي أبدا سعادتهم حين يضعون أقدامهم على أرضهم أنهم قد عــادوا..
    - هذا أكيد عماد.. لكـن لا يمكن أن نرضى بتعبهم سيمرضون ويهلكون لا محالة..
    - وليس بإمكانك الآن سوى الصبر.. لن نستطيع إلا الصمود.. قد يضيقون علينا من خلال القوانين.. لكننا أبدا.. نستطيع الدخول والخروج من أرضنا وقتما نريد.. لا نأبه لقوانينهم...!!

    فلسطينيه
    -
    -

    انثى
    عدد الرسائل : 246
    تاريخ التسجيل : 24/05/2007

    رد: بانتظــار عنـوان- قصـــة

    مُساهمة من طرف فلسطينيه في السبت سبتمبر 22, 2007 9:43 pm

    ابتسم غيث براحـة.. فما استطاع أن يحرك شفتيه أكثر وما استطاع الرد أمام ثقة عماد وعزمه.. رائحة الوطن انبثقت من كلماته وابتسامته الواثقة.. كان يتمنى أن يملك جزءا مما كان يعتري نفس عماد من أمـل.. يعوضه عن أيام الضياع والتيه والألم.. تشده من ذلك التمني بعجلة يد ليلى الصغيرة تأخذه حيث تبغي بحركاتها الأكثر طفولة.. يلحقها فرحا في غابات الزيتون.. تختبئ بدلال خلف شجرة مداعبة إياه.. يبحث عنها ويناديها.. تأتي من خلفه دافعة إياه بكلتا يديها فيفاجئ ويلتفت خلفه ليراها بوجهها القمري والمضاء كنجمة وحيدة في ليلة صمّـاء.. يحملها بين ذراعيه ويقبلها ويضمها إلى صدره ناعتا إياها بالمشاكسة.. تضحك فتظهر أسنانها الصغيرة المصطفة كلآلئ بيضاء نقية.. يفصل بين اثنين منها فراغ لتستقبل به أول أسنانها الدائمة.. يبتسم شارحا لها أن عليهم العودة قبل أن يتأخروا.. أو ربما قبل أن يبدأ اليهود بتفتيش الحقول بدورياتهم اليومية لمنع التجوال.. يعودان معا على أنغام أناشيد حفظتها لتوها من معلمتها في المدرسة.. تستقبلهم أمهم باسمة تدعو ربها أن يديم المحبة والود وأن لا يفرق بينهما.. تأتي ذكرى وتشد أختها الصغرى طالبة منها ترك أخيها ليرتاح فأمامه أيام لن يذوق فيها طعم الراحة.. يبتسم غيث لها.. يمسك يديها الرقيقتين طالبا منها بأخوة عطرة أن تدعو له وتهتم بليلى..
    تنتشله من أحلامه أصوات المصطفين خلفـه أن عليه التقدم قليلا فقد اقترب دوره.. فيتحرك بدوره إلى الأمـام.. ينظر خلفه فيرى دمعات أمه تنهمر فوق خديها الحنونين تودعـه.. والده يحمل ليلى فوق ذراعيه كي لا تحاول اللحاق به.. سلمى تحمل حقيبة المدرسة تحاول لملمة آخر ما تبقى من لحظات مع أخيها.. وذكرى الجبـارة تنظر إليه نظرتها الأكثر اشتعالا وأملا وثقة.. كيف لا وهي التي أقنعته وأقنعت والده ووالدته على الدراسة في الخارج.. خاصة أنه تفوق بمعدل ممتاز في الثانوية..
    كـم تعزّ عليـه تلك الأيـــام..!

    أدّى فارس معاملاته وتبعه عماد فغيث.. ومضوا حاملين حقائبهم واضعين عليها علامات بـ(شرائط) ملونة.. وكتبوا عليها أسماءهم ليميّزوها عن غيرها.. كانت الحافلة التي ستقلُّهم إلى المحطة التالية تقف بانتظارهم.. نظروا إليها مليّاً..فزفر فارس قائلاً:
    - إلى الحافلة يا أصحاب.. الرحلة ما زالت في بداياتها.. لكننا سنصل هذا مؤكد لكن كيف! هذا هو السؤال..
    ضحك غيث وعلّق:
    - قل متى يا فارس..! أنا لو وصلت وكل جزء مني منفصل لن أسأل.. المهم أن أصـل..
    نظر عماد في الاثنين غاضبا وقال مغيظاً إياهما:
    - إني لأكاد أشم رائحة خبز الطابون تحمله أمي بين راحتيها ساخناً.. وتضع أختي الزيت والزعتر عشاءً خفيفا يريح المعدة قبل النوم.. مع كوب من الشـ..
    وما كاد يكملها حتى أشار غيث له أن يتوقف معتذراً عن التشاؤم الذي أبداه.. فقال عماد:
    - اسمعاني جيدا.. بعيدا عن الشوق والحنين.. لا تنسيا كلام العم أبو صلاح.. قليل من تفاؤل يكفي لنصـل.. ثقتنا بالله يجب أن لا تتغير.. خذا نفساً عميقا من الهواء.. وتأملا ولنجعل من الرحلة هذه متعة..!
    فرد فارس:
    - شوقتنا لهم أكثر.. وتريد منا أن نلتزم الصمت ونتأمل.. ونستمتع في هذه الأجواء.. منذ صغري وأنا أدعوك ببارد الأعصاب وقاسي القلب..
    لم يستطع عماد وقف نفسه عن الضحك وكذا غيث الذي أجاب:
    - لم تجد غير عماد لتلقبه بقاسي القلب؟! لا بأس.. لنهدأ الآن ونذهب لمساعدة النساء والشيوخ في نقل متاعهم إلى ظهر الحافلة.. بعدها تستطيع يا فارس تصفية الحساب..!
    انطلق ثلاثتهم لنقل متاع الآخرين وحملها ورفعها وتثبيتها على سطح الحافلة..
    كلما حمل غيث حقيبة ابتسم لبساطة العيش.. من شكلها وطريقة وضع الأغراض فيها.. ربط يديها بقطع من القماش الملون كعلامة تمييز وخطِّ بضع كلمات عليها.. من هذا وذاك تستطيع أن تحدثك الحقيبة عن أيام وليـال.. عن سهر وأرق.. وعن رائحة العرق الممزوج بنسيم الخبز الساخن والفطائر الشهية.. بأريج الزهور العطرة وروائح الريحان المنسابة في الجو لا تغادر الأنوف حتى تسكنها نشوة وتمنحها شيئا من الصبر.. علمته بساطتها معنى الحيـاة وعمقهـا..
    حكت له عن انتظار أهله له.. وذكّرته بدمعات أمه التي أغرقت ملابسه حين كانت تعد له عدة الرحيـل.. لكنه اليوم قادم.. عائد مزيلا عن كاهليه أيام البعد والشتات.. وأرقا أبى إلا أن يكون رفيقه في رحلته..
    في الحافلة حيث كانت أجسادهم مشغولة بكمية الراحة المتعطشة لها واستغلال الفترة التي سيقضونها فوق تلك المقاعد.. كانت أرواحهم تفكك القيود وترحل مبتعدة تطيـر فوق التلال مجتازة الصحراء عائدة بهم إلى حيث الحيـاة.. أغمض غيث جفنيه وغاص في ينابيع الحب والشوق.. لقد اشتاقها ولم يعد بإمكان أحد أن يوقف فيه الحنين.. إن لم يكن بمقدوره رؤيتها.. فعلى الأقل لن يحاسبه أحد على تخيلها عروساً يقدم لها حياته مهرا.. كانت شغله الشاغل..كانت الدافع الذي ما انفكت نفسه تذكره به ليتقدم خطوة جديدة في دروب المجد المظلمة الظامئة للنور.. كيف لا وقد وعدها أن لا يتقدم لها إلا إذا كان بيده شيء ثمين يمنحها إياه مهرا.. ووعد الحُرِّ دين.. وما أراد إلا أن يكون حُـراً.. أسرته بعينيها.. بحبها بحنانها.. برائحة المسك المنبعثة من كل جزء منها.. كانت الأسر والمفتاح والحارس.. كانت الأمل والأم والمأوى.. كانت شرارة النور التي أحيت في حياته الموت.. وفي نفسه الهيـام.. وفي وجدانه الجنون! لكم يتوق للحظات يقضيها بين حناياها تضمّه متحدا بها يكسبها من مسكه ما يزيد وله العشاق وتحديهم ومقاومتهم ليكسبوها المزيد من ذاك الأريج.. ويتمنى أن يمنحه الله من الأرواح ما يمكنه من قضاء أسعد اللحظات وألذها في سبيل حياة كان يتمناها له ليمنحها للجيل القادم..!
    آه يا محبوبتي الغالية.. كم أشتاق ثراكِ وقطرات الندى أرتشف منها قطرة لتذوب روحي وأحيى!!


    فلسطينيه
    -
    -

    انثى
    عدد الرسائل : 246
    تاريخ التسجيل : 24/05/2007

    رد: بانتظــار عنـوان- قصـــة

    مُساهمة من طرف فلسطينيه في السبت سبتمبر 22, 2007 9:44 pm

    على صوت فارس خرج من ذرات الثرى الطاهر.. خاطبه فارس فجأة:
    - غيث! كيف كان بإمكانك احتمال عدم رؤية أهلك ولو بزيارة واحدة؟! كان بمقدورك زيارتهم في أي إجازة تحظى بها فلمَ حرمت نفسك ذلك؟ بل كيف احتملت ذلك؟
    فاجأه السؤال وشعر بقشعريرة تسري في جسده تجتاز كل خلية.. وتخترق عينيه تاركة دموعه تفرمنها..! لكنه أجاب:
    - أنا لا أعرف كيف خطر ببالك هذا السؤال.. بل لماذا الآن بالذات.. لكني سأحاول أن أجيب وأقول أنني حتى الآن لا أحتمل الابتعاد رغم أنني أخطو خطوات العودة أخيراً.. لا بد من إعادة بناء نفسي بدءا من لحظة لقائي بهم.. ثم لا تنسَ يا فارس الظروف لم تمكني من تجاوز أي إجازة دون عمل يؤمن لي مصروفي للفصل التالي..
    - تقول أنك لا تحتمل رغم أني حين كنت آتي من القرية حاملا لك بعض أخبارهم تبتعد عنا وكأنني..
    - (مقاطعا ونظره معلق في شحوب الصحراء) كنت أغبطك فقط..!
    صمتٌ حلَّ بينهما دون إذن.. حيث شعر فارس بشيء من الخجل وتمنى لو لم يسأل غيث ذاك السؤال.. كان يحادث نفسه وكأنه اقترف ذنبا..: صحيح! كيف وجّهت له هذا السؤال وهو المشهود له بعاطفته المشتعلة.. كيف نسيت كم واجهت ذكرى من متاعب حين كانت تقنعه بالذهاب لدراسة الطب في الخارج؟!! لقد عانت كثيرا وهباء كانت محاولاتها لاستمالة قلبه بإقناع أمي أو أخي مجاهد بالتواسط وإقناعه.. لولا أنها أقنعت خالي وزوجته لما حاول أن يقتنع.. ياااه أي قلب تحمل بين أضلعك يا غيث؟!!..
    حشر عماد رأسه بين رأسيهما وقال:
    - أمن الممكن أن تحضّرا نفسيكما.. أظن أننا اقتربنا.. أم لا يا من يجب أن تكون قد حفظت الطريق.. فارس! أنا أكلمك!!..
    مبتسما التفت غيث نحو فارس ثم إلى عماد وأجاب:
    - اتركه الآن.. دعه في هيجانه يـا.. (ساخراً) قاسي القلب..!
    ضحك فارس وقال:
    - للتصحيح فقط.. لست موجاً لأهيج.. هو مجرد شرود.. ولأجيبك يا عماد.. بلى اقتربنا! حدّقا جيدا ستلمحا المحطة القادمة.. هناك سنتوقف ونجمع حقائبنا من جديد.. ونصطفّ في صفوف.. ليأتي اليهود ويفتشوننا! يالَلسخرية..
    زفر غيث بحرقة.. وغصة مؤلمة تأبى أن تفارقه.. تجتاح نفسه وتحفر في قلبه فيتألم بصمت.. يتجرع الجرح بصمت.. يكبر الجرح ولا يبرأ بصمت؛ فيتقرّح!!
    وضع عماد كفه على كتف غيث قائلا:
    - فعلا ياللسخرية.. نصبوا مستعمراتهم وتحكموا فينا وفي حركتنا داخل وطننا وخارجه.. ولا حركة ننشدها تنفذ! (ضاغطا بشدة على كتف صديقه) رباه ألهمنا صبراً جميـلا!!
    توقفت الحافلة عند الجسر اليهودي.. فيما كان ثلاثتهم يعجلون من حركتهم ليساعدوا الرجال في إنزال حقائب العائدين.. كانت حركة الناس في تفقد حقائبهم مثيرة للحياة في صدور اليائسين! كانت العجائز تنادي وتطلب حاجياتها بالعلامة الملونة البسيطة.. أو أمّيّة تسأل الشباب عن ما كتب على حقيبتها لتتأكد أنها حقيبتها المطلوبة..! كانت تلك اللحظات الأكثر متعة إلى نفس غيث من سنوات التعب في الغربة والحصول على شهادته.. ذلك أن شهادته كانت سبب بعده.. أما هذي اللحظات فكانت الكاسرة للبيـن والشتات..

    ألقى غيث نظرة من بعيد مراقبا حركة العائدين المرهقة بأرجلهم المتورمة التي ما كادت تستنشق نفسا للراحة حتى انتشلتهم قوانين البشر من حقوقهم كبشر.. وحين همّ بالتحرك أوقفته ذكريات حملتها رائحة الأرض عبر الحدود الوهمية التي ما استطاعت تقييد رغبة الحرة في الانطلاق والتفجر!
    بعفوية طفل انحنى نحو الأرض حاملا بيده حفنة من التراب، قربه من أنفه بنشوة، لمح جنود اليهود تراقب العائدين تدوس أقدامهم النجسة بما في عروقها من برود الجليد على العذراء المغتصبة.. وببنادقهم يحتمون من أفراد عزّل! وبعيونهم المتجردة عن الخوف والرعب المتجذر فيهم يدوسون على كرامة الإنسان! ابتسم غيث بغصة ونظر إلى الحفنة الغالية في كفه واعدا إياها أنهم ولا شك زائلون!! ولتكن بيننا الأيام...
    اقترب فارس وعماد منه في شفقة إخوة، وقال فارس:
    - أي عشق هذا..! وتقول الخالة أم صلاح أنها كانت تود أن تفرح فيك.. ذاك في عداد المستحيلات! أي بنت تلك التي ستقبل بعاشق مشغول دائم التفكير والانشغال بغيرها..؟!
    فأجاب عماد الذي ما استطاع كتم ضحكته:
    - تلك الغيرة يجب أن تبقى مكبوتة في نفوسهن، ذاك أن المنافسة غير متكافئة..
    فأسكتهما غيث ونظره معلق في حفنة التراب:
    - خطوات بسيطة بقيت ويجهز المهر بالكامل.. عندها لن ترفضيني أبدا..
    فأشار عماد لهما أن عليهم التقدم لحجز دور لهم بين العدد الكبير ذاك.. علّهم يصلون قبيل غروب الشمس.. فانطلق جمعهم بحيوية متمتمين بأذكار وأدعية لربهم أن يحفظهم من كيد الأعادي!! فزادهم ذكر الله طمأنينة وارتياحا.. ليبدؤوا مسيرة عناء في التعامل والتخاطب والتحاور مع شعب العبرية.. فارس كان معتادا على السفر فكان يسهِّل معاملاتهم وييسر حركتهم.. ولم تكن حال كبار السن سهلة خاصة من كان وحده دون معين.. فحملوا على عاتقهم مساعدتهم على الأقل في تسهيل التفاهم بين الطرفين.. ولاحظ غيث وعماد اختلاف المعاملات عما شهداه حين غادرا فلسطين..فأخبرهما فارس أنهم في تحول وتغير، عدا التناقض ما بين تعامل فرد عن آخر منهم.. عدا فكرهم المنتقد لذاته أيضاً!!
    أي أقنعة غطت وحشيتهم خبثهم وحقدهم الدفين، ليقلب رغم تلوثه تفكير الأهالي ليعلنوها:" حتى إن اليهود أفضل من العرب، حين رأى أمي لا تستطيع المشي ساعدها جندي بطيبة " سحقاً! أي طيبة هذه؟!.. ما هو إلا زبد سيختفي لا محالة.. ليبين الوحل وقذارته!!
    استقلوا حافلة أخرى لإيصالهم للمحطة التالية.. كل هذه المعاملات وجدت ليتأكدوا أن الشخص القادم أو المغادر لا يمكن الشك فيه.. والعجائز اللواتي تعدى عمرها الثمانية عقود تغادر لتحضر حفل زفاف حفيدها البكر بعد أن فرقتهم المسافات يمكن الشك فيها وهي لا تكاد تلتقط أنفاسها الهاربة!!
    الحافلة تسير فوق أرضهم، فلسطين التي ما كاد غيث يصدق أنه أخيرا بين حناياها إلا حين فاحت رائحة المسك واستقرت في أنفه.. ومع ذلك ما زال إخوتهم يعاملونهم كأنهم غرباء يتأكدون من الختم هذا والتوقيع ذاك.. من ورقة ثبوتية ومصدرها.. عيون الشيوخ والعجائز العائدين معلقة في شفاه الموظفين تخبرهم هيا إلى منازلكم.. بيوتكم.. أراضيكم!! منذ متى كان هناك من يقرر لنا موعد ذهابنا وإيابنا.؟!! ولماذا نخرج نفس الأوراق في كل محطة؟ لماذا يجب أن نمر بالحاجز اليهودي ويتأكد من مرورنا أبناء أرضنا؟ أوليس في ذلك اعتراف صريح بالعبريين؟!! كل تلك الهواجس اجتاحت نفس غيث الذي ما استطاع الفكاك منها ولا التخلص من عبرات قلبه التي انحصرت في مقليه وأغلقت كل الأبواب إلا من نداء استغاثة بالباري القدير أدى به إلى الارتياح ومواصلة الدرب نحو مرتع طفولته وملجئ يفوعه وحضن الربيع الآسر؛ تلالها الخضراء وسنابل القمح الذهبية المفترشة سهول الأرض.. وبحيرة النرجس الصغيرة التي تكسب القرية روعة وبهاء.. لتكون لوحة لكل لون فيها معناه.. مغزاه.. ورائحته!


    فلسطينيه
    -
    -

    انثى
    عدد الرسائل : 246
    تاريخ التسجيل : 24/05/2007

    رد: بانتظــار عنـوان- قصـــة

    مُساهمة من طرف فلسطينيه في السبت سبتمبر 22, 2007 9:45 pm

    من المحطة الفلسطينية افترق المسافرون.. كلٌّ يستقل حافلة.. سيارة علها توصله إلى بيته.. وقف غيث فجأة وتنفس الصعداء.. وتبسّم.. فقال عماد:
    - فارس! لا أعتقد أننا سنذهب إلى بيوتنا قبل إيصال غيث.. فهو لن يرضى أن نسبقه إلى بيوتنا.. سنذهب إلى قريتنا بداية.. وإن غطى الليل بأجنحته آخر شعاع للنور تبيت في بيت خالك حتى الصباح.. مع أني لا أعتقد أنك ستصبر.. ما رأيك غيث..؟!
    - لا أعتقد أنني سأرفض.. بل أنا أؤكد اقتراحك.. فما رأي فارس..
    فقال فارس مبتسما في وجه غيث:
    - لك ما تريد.. منها أنني كنت أزور أهلي بين الفينة والأخرى.. ومنها أننا نريد الاطمئنان عليك.. فأنا لن أذهب إلى غريب..
    - سلمتَ يا ابن العمة الغالي.. يا أعظم مهندس!
    - دكتور غيث.. نتوق لكأس شاي من بين يدي والدتك.. تدعونا؟!
    ضحك ثلاثتهم في حنين.. وأشاروا إلى سيارة فقام فارس وتحدث مع السائق:
    - السلام عليكم يا عمّ!.. طريقنا إلى قرية قباطية قضاء جنين..
    -( بخوف وشفقة ) لماذا..؟ أو منذ متى لم تأتوا إلى هنا؟!
    بلع فارس ريقه بصعوبة وقال:
    - منذ ستة أشهر.. لمَ السؤال؟!!
    - ألم تتابعوا آخر الأخبار؟.. تلك القرية صفّيت بالكامل منذ أسبوعين تقريبا.. والناس هناك ما بين مفقود وشهيد ولاجىء.. كان وضعها رهيبا.. والقصف لم يترك شيئا على حاله.. وما زالت عمليات التنقيب والبحث جارية عن ناجين أو جثث.. لكن الوقت متأخر.. اعذروني الدوريات الإسرائيلية تكثر في المساء خوفا من ردود.. !! أنا آسف..
    كان هول المفاجأة صاعقا فما استطاع فارس أن يلتقط نفسا جديدا.. فكيف بالالتفات إلى المفجوعَيْن بأهاليهم.. كيف يمكنه احتمال عيني غيث؟! بل كيف سيحتمل فقدان خاله؟! بل..!! انهمرت دموعه واحمر وجهه مخنوقا بالخبر.. فما أخرج سوى سؤال واحد للسائق:
    - قلت لي منذ متى..؟ وهل أنت متأكد..؟
    - يا أخي الغارات تأتي فجأة دون أن نحسب لها حسابا.. كانت منذ أسبوعين داميين.. وأختي استشهد زوجها وهي حاليا لاجئة.. ويا ليتنا نعرف طريق اللاجئين..!
    هجم غيث على النافذة مبعدا فارس بشدة وقال:
    - كيف يعني؟ حتى اللاجئون لا عنوان معروف لهم..؟ والضحايا.. والإحصاءات لمن بقي منهم.. والبيوت.. والبيارات..القرية وملامحها.. قل لي..؟!! أجبني..
    ذهب عماد لغيث وشده من السيارة معتذرا لسائقها.. وضمه إلى صدره بحنوّ.. وبصوت شابه البكاء قال:
    - اهدأ.. نحن حتى الآن لا نعرف خبرا أكيدا عن أهلنا.. ولا تنس الحركة ثقيلة متثاقلة للإنقاذ.. لا أعتقد أنك يا غيث يا عاقل تغفل عن الجبناء الخائفين وحركاتهم التي حفظناها عن ظهر قلب.. الرعب المتجذر في صدورهم يمنعهم من تركنا أحيـاء.. أخي سنذهب إلى القرية ونرى ما يمكننا معرفته وما نريد معرفته.. هيا ربي يرضى عنك ويهدئ روعك.. كن رجلا قويا..
    أبعده بيديه عن صدره ونظر إلى عينيه نظرة منحته بضع قطرات من صبر وتجلّد.. لكن فارس قال:
    - أنا أرى بما أن هذا السائق الذي فقد أقربائه لا يريد أيصالنا فلن يكون هنالك متبرع بتوصيلة مهما دفعت له.. لذا أقترح أن نذهب إلى بيتي ومن أمي وأبي نعرف أخبارا أكثر دقة.. توكلا على الله..
    أشار فارس على السائق أن يوصلهم إلى قريته أم الفحم فركب ثلاثتهم السيارة.. ومضت بين الطرق والبساتين والقرى.. كان غيث ينتظر اليوم الذي يطأ فيه أرض الوطن.. يتفحصها بحواسه المشتاقة بهيام وحنان.. يسير على قدميه فوق كل شبر فيها.. ليتوعد الغادرين بأن فلسطين له ولأبنائها الأحرار.. غادرها بألم ليعود بالأمل.. شهادته كانت الأمل.. لكن ما فائدتها حين لا يجد من يفرح بها ويضمه فخرا وحنانا.. أمه وأبوه.. أخواته.. لا يمكن له أن يتخيل أنه غاب عنهم ليعود ولا يجدهم.. كان بصره سارحا وإحساسه الغدار يهجم عليه ويميت فؤاده قلقا وخوفا .. وأمواج الأفكار المتلاطمة تنهش به ولا تترك له مجالا للهرب.. "عن أي شهادة تحدثتِ يا ذكرى.. بل وكيف تمكنتِ من إقناعي بالرحيل..؟!! ما فائدة الندم بعد فوات الأوان..؟ ولماذا رائحة الدم تفوح في الأرجاء وتستقر في أنفي ودمي..؟! يا رب لطفك.." وبدأت عبراته تنهمر كمطر لا يتوقف وتهجم سحب سود تغشى عينيه فما عاد يستطيع رؤية شيء سوى الاحمرار!!..
    سحبه عماد من وحدته وضمَّ رأسه إليه بحاجة تفوق مقدرته على العطاء.. وتحسس رأس صديقه ولم يملك سوى أن تهدج لسانه بالدعاء وذكر الرحمن..!


      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 06, 2016 10:02 pm