شـبكة جنـين للـحوار

حياكم الله وبياكم واهلا وسهلا بكم في شبكتكم شبكة جنين للحوار ..
شـبكة جنـين للـحوار


    عشرة أيـــام (قصة)

    شاطر

    مـحمد أبو عـرة
    1
    1

    ذكر
    عدد الرسائل : 1256
    العمر : 30
    الأقامة : في المنفى...
    العمل : Technological techniques
    تاريخ التسجيل : 27/04/2007

    عشرة أيـــام (قصة)

    مُساهمة من طرف مـحمد أبو عـرة في الجمعة مايو 18, 2007 6:50 pm

    عشرة أيـــام


    [color=darkred]الصمت يخيم على الأجواء إلا من وقع أقدام هؤلاء السائرين وبعض صرخات الأطفال الجياع... السماء الرمادية فوق رؤوسهم تلقي بأشباح القلق أمامهم، واختفت الألوان من على الأرض...
    كانوا يسيرون زرافات، يحملون ما استطاعوا أن يحملوه قبل أن يطبق الموت على قريتهم، في ذلك اليوم الأسود...
    عيون محتقنة ونظرات تائهة، وأطفال تطرح مليون سؤال لا مجيب عنه... فهذا الطريق المقفر أمامهم الممتد على ساحة الزمان إلى اللامكان أقدر على الإجابة..
    ساروا طويلا حتى غابت الشمس وحل محلها الظلام ليزيد القلوب وحشة، فاضطروا إلى التوقف للمبيت بالعراء... وكانت الليلة العاشرة...
    أخذ الشيخ أبو صالح بيد زوجة ابنه فاطمة الحامل في أسابيعها الأخيرة، وأعد لها متكأ بين الصخور الناتئة علها ترتاح من المسير، التعب بلغ منها مبلغا عظيما، و قد يأتيها المخاض في أية لحظة... على هذه الخاطرة اغرورقت عيناه دمعا حارقا، ماذا حل بابنه صالح يا ترى؟ لقد تركه مع رجال القرية كآخر خط للدفاع بوجه الغزاة ... تلك القرية الوديعة التي توسطت الربى الخضراء واتشحت بكساء زينه الدحنون في أيار..
    أجال بصره في من حوله، أم عامر تبكي أبناءها الذين لم تجدهم بين المغادرين، وأم رائد تركت فلذة كبدها الوحيد متأبطا بندقيته واقفا على مشارف القرية، وأبناء جارهم محمد يبكون من شدة الجوع إذ التهم أصغرهم آخر كسرات خبز حملوها معهم...
    ترى أهم أحسن حالا أم أولئك الذين قضوا في دير ياسين وغيرها من القرى؟ على أي، فالهرب كان آخر الحلول بين أيديهم، وأكثرها مرارة...
    استفاق من هواجسه على صراخ فاطمة التي جاءها المخاض، أسرع بأن نادى إحدى الدايات وابتعد عن المكان...
    جلس وحيدا مطرقا، رفع بصره إلى السماء مناجيا ربه، تخلى عنهم من في الأكوان ولم يبق إلاك يا رحمان، كان هناك من يسحبه برفق من طرف ثوبه ..
    - عمي أبو صالح هل أستطيع الجلوس؟
    لم يكن هذا سؤالا بل إعلاما، إذ كان الصبي قد جلس دون أن ينتظر إذنا...
    ربت بيد مرتعشة على كتف عامر وأشاح بوجهه قبل أن يلحظ هذا الصغير أشباح الدموع التي بدأت زحفها نحو خديه...
    - عماه، إلى أين سنذهب الآن؟
    لا جواب.
    - ومتى سنعود إلى القرية؟
    هذه أصعب، تحسس أبو صالح مفتاحه الغارق في غيابات ثوبه...
    لحظ الصبي حركات الشيخ فأخرج مفتاحا هو الآخر:
    - كان هذا آخر ما أعطاني أبي، قال لي إياك أن تضيعه ... أتعلم يا عماه، لابد أن اليهود دخلوا قريتنا الآن، وقتلوا...
    كان أبو صالح قد وضع يده على فم الصبي مشيرا أن اسكت...
    لم يعد يطيق سماع المزيد، كان قد أجهش بالبكاء آخذا عامر بين أحضانه، وانهمرت دموعهما معا، واختلطت دموع الشيخ بدموع الفتى تنزف من ذات الجرح الذي اقتسمته ذواتهما، تشبث كل منهما بالآخر كمن يخشى الغرق...
    وجاءهما صوت الداية من بعيد:
    - أبو صالح، مبارك...
    لملم الشيخ نفسه وهرول إلى حيث ترقد فاطمة، نظرت إليه نظرة خاوية، حاولت رسم ابتسامة على شفتها الواهنة وأشارت إلى المولودة الجديدة:
    - هاهي حفيدتك ياعمي..
    حملها أبو صالح بين ذراعيه، وأغرق وجهها الغض بقبلات حب ...
    - فلنسمها على اسم جدتها... أمينة

    **************************

    صدعت زغرودة في فناء البيت... شبه بيت من أمثال ما اتخذه اللاجئون هنا مساكن ريثما تسوى أوضاعهم تحولت إلى مساكن دائمة فيما بعد...
    كانت أم عامر قد جاءت مع ابنها إلى بيت الشيخ أبي صالح لخطبة أمينة... تلك الفتاة الجميلة التي عرفها الجميع، وليدة طريق الشتات الطويلة، و التي تخطو نحو السادسة عشر من عمرها في ثبات...
    جميلة هي رسمت معالم الحياة بقساوة أحرفها فغدت أشد قوة، وهاهي اليوم عروس تزف إلى أحد أبناء قريتهم التي تركوها مرغمين...
    - هذه فلذة كبدي يا عامر، إياك أن تغضبها يوما...
    هكذا قال أبو صالح، وهو يخطو في بطء نحو غرفته... وقد اشتد عليه المرض، تبعته أمينة تمسك به وتعينه على الاستلقاء على الفراش المهترئ...
    - بارك الله فيك يا بنية، أنا سعيد لأجلك.
    اصطبغت وجنتاها بحمرة خجلى، وأطرقت وهي تشغل نفسها بجلب غطاء تضعه على جدها...
    - أعتقد أنه لم يبق في العمر الكثير...
    - لاتقل ذلك يا جدي، الأعمار بيد الله وأنت لازلت قويا، إن هو إلا مرض عارض ... وستعود كما عهدك بنفسك...
    قالتها وهي تدرك في قرارة نفسها أنه محق، وأن حالته في تدهور مستمر...
    ابتسم لكلامها، ثم أومأ إليها:
    -افتحي خزانة الثياب، ستجدين هناك صندوقا حديديا، آتني به يا بنية.
    امتثلت، حملت الصندوق الصدئ إليه.
    أخرج منه لفافة جلدية، فيها أوراق صفراء ومفتاح قديم...
    - أظن أنه آن أوان أن تستلمي هذه الأمانة يا أمينة.
    نظرت إليه، كان كمن يغوص في بحر الماضي ليستخرج صورا لازالت تحفظها ذاكرته البعيدة...
    أمينة، لعلها آخر ما ربط ذاك العجوز بحياته هناك، يرى فيها ابنه الذي لم يسمع عنه منذ تلك اللحظة المشؤومة التي اضطروا فيها أن يتركوا كل شيء... أجل كل شيء، بل كل شيء غال، ولم يأخذوا معهم سوى الأحزان والآلام...
    يرى فيها آخر ما جادت به عليه الدنيا من ريح قريته بعد عشرة أيام من فراقها...
    يرى فيها الأرض الحنون التي زانها الربيع... يرى فيها ليالي المشي إلى المجهول... ويرى فيها أملا... أملا بالعودة إلى هناك...
    وهاهو اليوم يقف على مشارف الموت، بعيد هو عن أرضه التي ارتشفت عرقه وعرق أجداده من قبل... إنه يودع أمينة حلمه، علها تأخذ معها بعضا منه، عل أجسادا من صلبه تسكنها يوما وتطفئ بعض الشوق وتشفي بعضا مما في النفس...
    تسابقت الدموع إلى مقلتيه، أمسك بيدها المرتعشة وضغط عليها في توسل:
    - إياك أن تنسي... وإياك أن ينسى أبناؤك... عديني بذلك يا حبيبة على قلب جدك
    أبرقت عيناها وأنشدت:
    - أعدك يا جدي...أعدك أني لن أنسى وسأعود...سأعود



    [color:0d0e=#993300:0d0e]خولة عياش
    أيار\ماي 2007

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 06, 2016 10:08 pm